الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب فضل الصدقة والتعفف عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قال لي أنفق أنفق عليك وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ؛ قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى الفيض يرفع ويخفض .

التالي السابق


(باب فضل الصدقة والتعفف) (الحديث الأول) عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك (الحديث الثاني) وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ؟ فإنه لم يغض ما في يمينه ، قال وكان عرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض (فيه) [ ص: 68 ] فوائد :

(الأولى) جمع مسلم بين هذين الحديثين فأخرجهما في الزكاة من صحيحه عن محمد بن رافع وأخرج البخاري الثاني منهما عن علي بن المديني كلاهما عن عبد الرزاق وفي رواية البخاري الفيض أو القبض وأخرجهما البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة ومسلم من طريق سفيان بن عيينة كلاهما عن الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، ولفظ البخاري يد الله ، وقال بيده الميزان بدل القبض ولفظ مسلم قال الله يا ابن آدم أنفق أنفق عليك .

(الثانية) قوله أنفق بفتح الهمزة أمر بالإنفاق ، وقوله أنفق بضم أوله فعل مضارع وعد بالخلف وهو بمعنى قوله تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه فيتضمن الحث على الإنفاق في وجوه الخير والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى ، وفي هذه الرواية أن الله قال لي ، وفي الرواية الأخرى يا ابن آدم ، ولا شك في عموم هذا الأمر وتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر في الرواية الأخرى لكونه رأس الناس فيوجه الخطاب إليه فيبلغه كما في قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الآية ، وفي إطلاق النفقة وعدم تقييدها ما يقتضي أن الحث على الإنفاق لا يختص بنوع مخصوص من أنواع الخير .



(الثالثة) قال القاضي عياض قال الإمام المازري هذا مما يتأول ؛ لأن اليمين إذا كانت بمعنى المناسبة للشمال لا يوصف بها البارئ عز وجل ؛ لأنها تتضمن إثبات الشمال وهذا يتضمن التحديد ويتقدس الله سبحانه عن التجسيم والحد ، وإنما خاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفهمونه وأراد الإخبار بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق جل الله تبارك وتعالى عن ذلك وعبر صلى الله عليه وسلم عن توالي النعم يصح اليمين ؛ لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه وقد قال صلى الله عليه وسلم وكلتا يديه يمين فأشار عليه الصلاة والسلام إلى أنهما ليستا بخارجتين إذ اليدان الخارجتان يمين وشمال . قال ويحتمل أن يريد بذلك أن قدرة الله سبحانه وتعالى على الأشياء على وجه واحد لا يختلف ضعفا وقوة وأن المقصورات تقع بها على جهة واحدة لا تختلف قوة وضعفا كما يختلف فعلنا باليمين والشمال تعالى الله عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين ا هـ .

وقال صاحب النهاية هنا كناية عن محل عطائه ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها فجعلها كالعين الثرة التي لا يغيضها الاستقاء ولا ينقصها الامتياح وخص اليمين لأنها في الأكثر مظنة العطاء على طريق المجاز والاتساع ا هـ .

(الرابعة) [ ص: 69 ] قوله ملأى بفتح الميم وإسكان اللام بعدها همزة مفتوحة تأنيث ملآن ، ورواه بعضهم ملاء مثل دعاء حكاه القاضي عياض ، وقال قيل يصح هذا على نقل الهمزة وفي رواية لمسلم ملآن بزيادة نون ، وقالوا إنها غلط من ابن نمير راويها وأن الصواب ملأى كما في سائر الروايات ؛ لأن اليمين مؤنثة قال النووي ثم ضبطوا رواية ابن نمير بوجهين :

(أحدهما) إسكان اللام وبعدها همزة و (الثاني) ملان بفتح اللام بلا همز .

(الخامسة) قوله لا يغيضها نفقة بالغين والضاد المعجمتين أي لا ينقصها يقال غاض الماء وغاضه لازم ومتعد .

(السادسة) قوله سحاء بفتح السين والحاء المهملتين وتشديد الحاء ممدود كذا ضبطناه عن شيخنا والدي رحمه الله تعالى ، وقال القاضي عياض كذا ضبطناه عن القاضي أبي علي وغيره بالمد على الوصف وكذا ضبطه صاحب النهاية ، وقال أي دائمة الصب والهطل بالعطاء يقال سح يسح أي بكسر السين وضمها سحا فهو ساح والمؤنثة سحاء وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء انتهى .

وضبطه القاضي عياض عن أبي بحر سحا بالتنوين على المصدر ونقله في المشارق عن جميع شيوخهم إلا الصدفي وابن عيسى ، وذكر النووي أنه الأصح الأشهر وعلى كل حال فقوله الليل والنهار منصوبان على الظرف قال القاضي عياض ووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق لا يغيضها سح الليل والنهار بالإضافة ورفعه على الفاعلية انتهى . وفي رواية محمد بن رافع في صحيح مسلم لا يغيضها سحاء الليل والنهار قال النووي ضبطناه بوجهين بنصب الليل والنهار ورفعهما النصب على الظرف والرفع على أنه فاعل .



(السابعة) قوله أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه كالدليل والشاهد لما قدمه من أن يمينه تعالى لا يغيضها نفقة ولما ذكر خلق السموات والأرض استشعر الخاطر ما قبل ذلك فذكر أنه تعالى كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء وفي ذلك دليل على أن خلق العرش والماء كان قبل السموات والأرض وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين في أثناء حديث جئنا لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان ؟ فقال عليه الصلاة والسلام كان الله عز وجل ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب [ ص: 70 ] في الذكر كل شيء وعن كعب الأحبار خلق ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى ، فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا ؛ ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله تعالى وكان عرشه على الماء على أي شيء كان الماء ، قال على متن الريح .

(الثامنة) قوله وبيده الأخرى القبض هو بالقاف وبالباء الموحدة والضاد المعجمة كذا ضبطناه عن شيخنا والدي رحمه الله ، وقال القاضي عياض إنه الموجود لأكثر الرواة . قال وهو المشهور والمعروف . قال ومعناه الموت .

(قلت) لا معنى لتخصيصه بالموت بل هو أعم من ذلك ليتناول قبض الرزق وغيره ومن أسمائه تعالى القابض وفسر بأنه الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته ويقبض الأرواح عند الممات ، والتفسير بالأعم مناسب لذكره هذا في مقابلة قوله أولا أن يمين الله ملأى إلى آخره ، ورويت هذه اللفظة بوجه آخر وهو الفيض بالفاء والياء المثناة من تحت والضاد المعجمة وحكاه القاضي عياض عن القابسي في صحيح مسلم ، وقد تقدم أن في رواية للبخاري الفيض أو القبض على الشك قال القاضي عياض ومعناه إن صحت الرواية والله أعلم الإحسان والعطاء والرزق الواسع .

قال وقد تكون بمعنى القبض الذي في الرواية الأخرى أي الموت . قال البكراوي الفيض الموت قال القاضي قيس يقولون فاضت نفسه بالضاد إذا مات ، وطيء تقول فاظت نفسه بالظاء وقيل متى ذكرت النفس فبالضاد وإذا لم تذكر فبالظاء وفي حديث الدجال ثم يكون أثر ذلك الفيض قبل الموت انتهى .



(التاسعة) قوله يرفع ويخفض قيل هو عبارة عن تقدير الرزق يقتر على من يشاء ويوسعه على من يشاء ، وقد يكونان عبارة عن تصاريف المقادير بالخلق بالعزة والذل كما قال تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ذكرهما القاضي عياض والنووي ومن أسمائه تعالى الخافض والرافع وفسر الخافض بأنه الذي يخفض الجبارين والفراعنة أي يضعهم ويهينهم ويخفض كل شيء يريد خفضه وفسر الرافع بأنه الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد وأولياءه بالتقريب .

(العاشرة) ذكر المازري لفظ الحديث وبيده الأخرى القبض [ ص: 71 ] والبسط ، وقال فكأنه أفهم تعالى وإن كانت قدرته واحدة فإنه يفعل بها المختلفات ولما كان ذلك فينا لا يتمكن إلا بيدين عبر عن قدرته على التصرف في ذلك بذكر اليدين ليفهمهم المعنى المراد بما اعتادوه من الخطاب على سبيل المجاز ، واعترضه القاضي عياض بأنه لم يرو في هذا الحديث في كتاب مسلم لفظة البسط وليس فيه إلا قوله القبض يرفع ويخفض (قلت) وكذا ليست هذه اللفظة في صحيح البخاري ولا غيره ثم قال القاضي في آخر كلامه وقد يكون القبض والبسط المذكوران من معنى ما تقدم من تقتير الرزق وسعته أو قبض الأرواح بالموت وبسطها في الأجساد بالحياة أو قبض القلوب بتضييقها وإيحاشها عن الهداية أو بالخوف والهيبة وبسطها بتأنيسها وشرحها للهداية والإيمان أوبالرجاء والأنس ، وقد قيل معاني هذا كله في تفسير اسميه تعالى القابض والباسط انتهى .

(الحادية عشرة) قوله في رواية للبخاري وبيده الميزان قال القاضي عياض قد يكون عبارة عن الرزق ومقاديره ، وقد يكون عبارة عن جملة المقادير انتهى والثاني أظهر والله أعلم .

(الثانية عشرة) خطر لي في قوله " وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض " ما لم أره لأحد ولست منه على يقين وهو أن قوله الأخرى صفة لموصوف محذوف أي وبيده الصفة الأخرى وهي القبض ، فهو لئلا يتوهم بعد ذكره كثرة الإنفاق من الله تعالى أن لا صفة له سوى البسط فبين أن له الصفة الأخرى وهي القبض فهو الباسط القابض ولا يكون قوله الأخرى صفة لليد ، وقوله يرفع ويخفض متعلق بالصفتين معا لا بالثانية فقط ، فقوله يرفع بيان لصفة البسط ، وقوله ويخفض بيان لصفة القبض .



(الثالثة عشرة) (إن قلت) وجه دلالة الحديث الثاني على فضل الصدقة (قلت) يحتمل أن يكون من الإخبار عن الله بكثرة الإنفاق فإنه ينبغي التخلق بما أمكن من أوصافه الحسنى، ويحتمل أن يكون من دلالته على إخلاف الله تعالى ما ينفقه العبد كما في الحديث الأول وذلك مأخوذ من كثرة إنفاقه تعالى وهو أعلم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث