الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم

يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون استئناف ابتدائي لأن هذا الاعتذار ليس قاصرا على الذين يستأذنوك في التخلف فإن الإذن لهم يغنيهم عن التبرؤ بالحلف الكاذب ، فضمير ( يعتذرون ) عائد إلى أقرب [ ص: 7 ] معاد وهو قوله : وقعد الذين كذبوا الله ورسوله فإنهم فريق من المنافقين فهم الذين اعتذروا بعد رجوع الناس من غزوة تبوك .

وجعل المسند فعلا مضارعا لإفادة التجدد والتكرير .

و " إذا " هنا مستعملة للزمان الماضي لأن السورة نزلت بعد القفول من غزوة تبوك .

وجعل الرجوع إلى المنافقين لأنهم المقصود من الخبر الواقع عند الرجوع .

والخطاب للمسلمين لأن المنافقين يقصدون بأعذارهم إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويعيدونها مع جماعات المسلمين .

والنهي في قوله : ( لا تعتذروا ) مستعمل في التأييس .

وجملة ( لن نؤمن ) في موضع التعليل للنهي عن الاعتذار لعدم جدوى الاعتذار ، يقال : آمن له إذا صدقه . وقد تقدم في هذه السورة قوله - تعالى : ويؤمن للمؤمنين

وجملة قد نبأنا الله من أخباركم تعليل لنفي تصديقهم ، أي قد نبأنا الله من أخباركم بما يقتضي تكذيبكم ، فالإبهام في المفعول الثاني لـ ( نبأنا ) الساد مسد مفعولين تعويل على أن المقام يبينه .

و ( من ) اسم بمعنى بعض ، أو هي صفة لمحذوف تقديره : قد نبأنا الله اليقين من أخباركم .

وجملة وسيرى الله عملكم عطف على جملة ( لا تعتذروا ) ، أي لا فائدة في اعتذاركم فإن خشيتم المؤاخذة فاعملوا الخير للمستقبل فسيرى الله عملكم ورسوله إن أحسنتم ; فالمقصود فتح باب التوبة لهم ، والتنبيه إلى المكنة من استدراك أمرهم . وفي ذلك تهديد بالوعيد إن لم يتوبوا .

فالإخبار برؤية الله ورسوله عملهم في المستقبل مستعمل في الكناية عن الترغيب في العمل الصالح ، والترهيب من الدوام على حالهم . والمراد : تمكنهم من إصلاح ظاهر [ ص: 8 ] أعمالهم ، ولذلك أردف بقوله : ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ، أي تصيرون بعد الموت إلى الله . فالرد بمعنى الإرجاع ، كما في قوله - تعالى - : ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق في سورة الأنعام .

والرد : الإرجاع . والمراد به هنا مصير النفوس إلى عالم الخلد الذي لا تصرف فيه لغير الله ولو في ظاهر الأمر . ولما كانت النفوس من خلق الله وقد أنزلها إلى عالم الفناء الدنيوي فاستقلت بأعمالها مدة العمر كان مصيرها بعد الموت أو عند البعث إلى تصرف الله فيها شبيها برد شيء إلى مقره أو إرجاعه إلى مالكه .

والغيب : ما غاب عن علم الناس . والشهادة : المشاهدة . واللام في " الغيب والشهادة " للاستغراق ، أي كل غيب وكل شهادة .

والعدول عن أن يقال : لم تردون إليه ، أي إلى الله ، لما في الإظهار من التنبيه على أنه لا يعزب عنه شيء من أعمالهم ، زيادة في الترغيب والترهيب ليعلموا أنه لا يخفى على الله شيء .

والإنباء : الإخبار . وما كنتم تعملون : علم كل عمل عملوه .

واستعمل فينبئكم بما كنتم تعملون في لازم معناه ، وهو المجازاة على كل ما عملوه ، أي فتجدونه عالما بكل ما عملتموه . وهو كناية ; لأن ذكر المجازاة في مقام الإجرام والجناية لازم لعموم علم ملك يوم الدين بكل ما عملوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث