الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما خلو الزوج عما سوى هذه العيوب الخمسة من الجب ، والعنة والتأخذ والخصاء والخنوثة ، فهل هو شرط لزوم النكاح ؟ قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ليس بشرط ، ولا يفسخ النكاح به .

وقال محمد : خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص ، شرط لزوم النكاح حتى يفسخ به النكاح ، وخلوه عما سوى ذلك ليس بشرط ، وهو مذهب الشافعي .

( وجه ) قول محمد أن الخيار في العيوب الخمسة إنما ثبت لدفع الضرر عن المرأة وهذه العيوب في إلحاق الضرر بها فوق تلك ; لأنها من الأدواء المتعدية عادة ، فلما ثبت الخيار بتلك ، فلأن يثبت بهذه أولى بخلاف ما إذا كانت هذه العيوب في جانب المرأة ; لأن الزوج ، وإن كان يتضرر بها لكن يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق ، فإن الطلاق بيده ، والمرأة لا يمكنها ذلك ; لأنها لا تملك الطلاق ، فتعين الفسخ طريقا لدفع الضرر ، ولهما أن الخيار في تلك العيوب ثبت لدفع ضرر فوات حقها المستحق بالعقد ، وهو الوطء مرة واحدة ، وهذا الحق لم يفت بهذه العيوب ; لأن الوطء يتحقق من الزوج مع هذه العيوب ، فلا يثبت الخيار هذا في جانب الزوج .

( وأما ) في جانب المرأة ، فخلوها عن العيب ليس بشرط للزوم النكاح بلا خلاف بين أصحابنا حتى لا يفسخ النكاح بشيء من العيوب الموجودة فيها .

وقال الشافعي : خلو المرأة عن خمسة عيوب بها شرط اللزوم ، ويفسخ النكاح بها ، وهي الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن ، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { فر من المجذوم فرارك من الأسد } ، والفسخ طريق الفرار .

ولو لزم النكاح لما أمر بالفرار ، وروي { أنه صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ، فوجد بياضا في كشحها فردها وقال : لها الحقي بأهلك } ، .

ولو وقع النكاح لازما لما رد ; ولأن مصالح النكاح لا تقوم مع هذه العيوب أو تختل بها ; لأن بعضها مما ينفر عنها الطباع السليمة وهو الجذام والجنون والبرص فلا تحصل الموافقة فلا تقوم المصالح أو تختل وبعضها مما يمنع من الوطء وهو الرتق والقرن ، وعامة مصالح النكاح يقف حصولها على الوطء ، فإن العفة عن الزنا والسكن والولد لا يحصل إلا بالوطء ولهذا يثبت الخيار في العيوب الأربعة كذا ههنا .

( ولنا ) أن النكاح لا يفسخ بسائر العيوب ، فلا يفسخ بهذه العيوب أيضا ; لأن المعنى يجمعها ، وهو أن العيب لا يفوت ما هو حكم هذا العقد من جانب المرأة ، وهو الازدواج الحكمي ، وملك الاستمتاع ، وإنما يختل ، ويفوت به بعض ثمرات العقد ، وفوات جميع ثمرات هذا العقد لا يوجب حق الفسخ بأن مات أحد الزوجين عقيب العقد حتى يجب عليه كمال المهر ، ففوات بعضها أولى وهذا ; لأن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج الحكمي ، وملك الاستمتاع شرع مؤكدا له ، والمهر يقابل [ ص: 328 ] إحداث هذا الملك ، وبالفسخ لا يظهر أن إحداث الملك لم يكن ، فلا يرتفع ما يقابل ، وهو المهر ، فلا يجوز الفسخ ، ولا شك أن هذه العيوب لا تمنع من الاستمتاع أما الجنون ، والجذام ، والبرص ، فلا يشكل ، وكذلك الرتق والقرن ; لأن اللحم يقطع والقرن يكسر ، فيمكن الاستمتاع بواسطة لهذا المعنى لم يفسخ بسائر العيوب كذا هذا .

وأما الحديث الأول ، فنقول بموجبه أنه يجب الاجتناب عنه ، والفرار يمكن بالطلاق لا بالفسخ ، وليس فيه تعيين طريق الاجتناب والفرار ، وأما الثاني ، فالصحيح من الرواية أنه قال : لها الحقي بأهلك ، وهذا من كنايات الطلاق عندنا ، والكلام في الفسخ والرد المذكور فيه قول الراوي ، فلا يكون حجة أو تحمله على الرد بالطلاق عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض ، والله تعالى الموفق .

وخلو النكاح من خيار الرؤية ليس بشرط للزوم النكاح حتى لو تزوج امرأة ، ولم يرها لا خيار له إذا رآها بخلاف البيع .

وكذا خلوه عن خيار الشرط سواء جعل الخيار للزوج أو للمرأة أو لهما ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر حتى لو تزوج بشرط الخيار بطل الشرط ، وجاز النكاح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث