الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل والحكم الثالث : أنه لا تحرم المصة والمصتان ، كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يحرم إلا خمس رضعات ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء . فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيره ، وهذا يروى عن علي وابن عباس ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن والزهري ، وقتادة ، والحكم ، وحماد ، والأوزاعي ، والثوري ، وهو مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في [ ص: 508 ] المهد ما يفطر به الصائم ، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله .

وقالت طائفة أخرى : لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات ، وهذا قول أبي ثور ، وأبي عبيد ، وابن المنذر ، وداود بن علي ، وهو رواية ثانية عن أحمد .

وقالت طائفة أخرى : لا يثبت بأقل من خمس رضعات ، وهذا قول عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن الزبير ، وعطاء ، وطاوس ، وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة رضي الله عنها ، والرواية الثانية عنها : أنه لا يحرم أقل من سبع ، والثالثة : لا يحرم أقل من عشر . والقول بالخمس مذهب الشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وهو قول ابن حزم ، وخالف داود في هذه المسألة .

فحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة ، فحيث وجد اسمها وجد حكمها ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وهذا موافق لإطلاق القرآن .

وثبت في " الصحيحين " ، عن عقبة بن الحارث ، أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب ، فجاءت أمة سوداء ، فقالت : قد أرضعتكما ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأعرض عني ، قال : فتنحيت فذكرت ذلك له ، قال : وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها ، ولم يسأل عن عدد الرضاع ، قالوا : ولأنه فعل يتعلق به التحريم ، فاستوى قليله وكثيره ، كالوطء الموجب له ، قالوا : ولأن إنشاز العظم ، وإنبات اللحم يحصل بقليله وكثيره . قالوا : ولأن أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها ، واضطربت أشد الاضطراب ، وما كان هكذا لم [ ص: 509 ] يجعله الشارع نصابا لعدم ضبطه والعلم به .

قال أصحاب الثلاث : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تحرم المصة والمصتان ، وعن أم الفضل بنت الحارث قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرم الإملاجة والإملاجتان . وفي حديث آخر : أن رجلا قال : يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة ؟ قال : لا . وهذه أحاديث صحيحة صريحة ، رواها مسلم في " صحيحه " ، فلا يجوز العدول عنها فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية ، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة قالوا : ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث . قالوا : ولأنها أول مراتب الجمع ، وقد اعتبرها الشارع في مواضع كثيرة جدا .

قال أصحاب الخمس : الحجة لنا ما تقدم في أول الفصل من الأحاديث الصحيحة الصريحة ، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي والأمر على ذلك ، قالوا : ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل : أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه . قالوا : وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات . قالوا : ونفي التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره ، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جوابا للسائل ، وبعضها تأسيس حكم مبتدأ . قالوا : وإذا علقنا التحريم بالخمس ، لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم بها ، وإنما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس ، وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص .

وأما من علق التحريم بالقليل والكثير ، فإنه يخالف أحاديث نفي التحريم [ ص: 510 ] بالرضعة والرضعتين ، وأما صاحب الثلاث ، فإنه وإن لم يخالفها ، فهو مخالف لأحاديث الخمس .

قال من لم يقيده بالخمس : حديث الخمس لم تنقله عائشة رضي الله عنها نقل الأخبار ، فيحتج به ، وإنما نقلته نقل القرآن ، والقرآن إنما يثبت بالتواتر ، والأمة لم تنقل ذلك قرآنا ، فلا يكون قرآنا ، وإذا لم يكن قرآنا ولا خبرا ، امتنع إثبات الحكم به .

قال أصحاب الخمس : الكلام فيما نقل من القرآن آحادا في فصلين ، أحدهما : كونه من القرآن ، والثاني : وجوب العمل به ، ولا ريب أنهما حكمان متغايران ، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به ، وتحريم مسه على المحدث ، وقراءته على الجنب ، وغير ذلك من أحكام القرآن ، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر ، لم يلزم انتفاء العمل به ، فإنه يكفي فيه الظن ، وقد احتج كل واحد من الأئمة الأربعة به في موضع ، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع ، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي ، " وإن كان رجل يورث كلالة ، أو امرأة وله أخ ، أو أخت من أم ، فلكل واحد منهما السدس " ، فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة ، ولا مستند للإجماع سواها .

قالوا : وأما قولكم : إما أن يكون نقله قرآنا أو خبرا ، قلنا : بل قرآنا صريحا . قولكم : فكان يجب نقله متواترا ، قلنا : حتى إذا نسخ لفظه أو بقي ، أما الأول ، فممنوع ، والثاني ، مسلم ، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نسخ لفظه ، وبقي حكمه ، فيكون له حكم قوله : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما " مما اكتفي بنقله آحادا ، وحكمه ثابت ، وهذا مما لا جواب عنه . وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان .

[ ص: 511 ]

أحدهما : أن التحريم لا يثبت بأقل من سبع ، كما سئل طاوس عن قول من يقول : لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات ، فقال : قد كان ذلك ، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم ، المرة الواحدة تحرم ، وهذا المذهب لا دليل عليه .

الثاني : التحريم إنما يثبت بعشر رضعات ، وهذا يروى عن حفصة وعائشة رضي الله عنهما .

وفيها مذهب آخر ، وهو الفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن قال طاوس : كان لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضعات محرمات ، ولسائر الناس رضعات معلومات ، ثم ترك ذلك بعد ، وقد تبين الصحيح من هذه الأقوال ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث