الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي

[ ص: 63 ] ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير )

قوله تعالى : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ) .

اعلم أنه تعالى بين أولا أن الإنفاق منه ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يكون كذلك ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، ثم ذكر ثانيا أن الإنفاق قد يكون من جيد ومن رديء ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، وذكر في هذه الآية أن الإنفاق قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا ، وذكر كل واحد من القسمين ، فقال : ( إن تبدوا الصدقات فنعما هي ) وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ؟ فنزلت هذه الآية .

المسألة الثانية : الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) [التوبة : 13] وقال : ( إنما الصدقات للفقراء ) [التوبة : 60] وقال صلى الله عليه وسلم : " نفقة المرء على عياله صدقة " والزكاة لا تطلق إلا على الفرض ، قال أهل اللغة : أصل الصدقة " ص د ق " على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال ، ومنه قولهم : رجل صدق النظر ، وصدق اللقاء ، وصدقوهم القتال ، وفلان صادق المودة ، وهذا خل صادق الحموضة ، وشيء صادق الحلاوة ، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحا كاملا ، والصديق يسمى صديقا لصدقه في المودة ، والصداق سمي صداقا لأن عقد النكاح به يتم ويكمل ، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل ، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه ، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه .

المسألة الثالثة : الأصل في قوله : ( فنعما ) نعم ما ، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر ، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة :

قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم " فنعما " بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد ، قال : لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص : " نعما بالمال الصالح للرجل الصالح " هكذا روي في الحديث بسكون العين ، والنحويون قالوا : هذا يقتضي الجمع بين الساكنين ، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين ، نحو : دابة وشابة ؛ لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا عن الحركة ، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس .

والقراءة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص " فنعما هي " بكسر النون والعين ، وفي تقريره وجهان :

أحدهما : أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها .

والثاني : أن هذا على لغة من يقول " نعم " بكسر النون والعين ، قال سيبويه : وهي لغة هذيل .

القراءة الثالثة : وهي قراءة سائر القراء " فنعما هي " بفتح النون وكسر العين ، ومن قرأ بهذه القراءة ، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي " نعم " قال طرفة : [ ص: 64 ]

نعم الساعون في الأمر المبر



المسألة الرابعة : قال الزجاج : "ما" في تأويل الشيء ، أي : نعم الشيء هو ، قال أبو علي : الجيد في تمثيل هذا أن يقال : "ما" في تأويل شيء ؛ لأن "ما" ههنا نكرة ، فتمثيله بالنكرة أبين ، والدليل على أن "ما" نكرة ههنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة ، وليس ههنا ما يوصل به ؛ لأن الموجود بعد "ما" هو هي ، وكلمة "هي" مفردة ، والمفرد لا يكون صلة لما ؛ وإذا بطل هذا القول فنقول : "ما" نصب على التمييز ، والتقدير : نعم شيئا هي إبداء الصدقات ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث