الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم : معنى ذلك : وأحل لكم ما دون الخمس ، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح .

ذكر من قال ذلك :

9021 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : وأحل لكم ما وراء ذلكم ، ما دون الأربع " أن تبتغوا أموالكم " .

9022 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن هشام ، [ ص: 172 ] عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني : وأحل لكم ما وراء ذلكم ، يعني : ما دون الأربع .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأحل لكم ما وراء ذلكم : من سمى لكم تحريمه من أقاربكم .

ذكر من قال ذلك :

9023 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال : سألت عطاء عنها فقال : وأحل لكم ما وراء ذلكم ، قال : ما وراء ذات القرابة أن تبتغوا بأموالكم ، الآية .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأحل لكم ما وراء ذلكم : عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء .

ذكر من قال ذلك :

9024 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم ، قال : ما ملكت أيمانكم .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، ما نحن مبينوه . وهو أن الله - جل ثناؤه - بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر ، ثم المحرمات من المحصنات من النساء ، ثم أخبرهم - جل ثناؤه - أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين ، أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين ، لا سفاحا .

فإن قال قائل : عرفنا المحللات اللواتي هن وراء المحرمات بالأنساب والأصهار ، فما المحللات من المحصنات والمحرمات منهن ؟

قيل : هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع - على ما ذكرنا عن عبيدة [ ص: 173 ] والسدي - من الحرائر . فأما ما عدا ذوات الأزواج ، فغير عدد محصور بملك اليمين . وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم - عام في كل محلل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا . فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض ، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها . ولا حجة بأن ذلك كذلك .

واختلف القرأة في قراءة قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم .

فقرأ ذلك بعضهم : " وأحل لكم " بفتح " الألف " من " أحل " بمعنى : كتب الله عليكم ، وأحل لكم ما وراء ذلكم .

وقرأه آخرون : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ، اعتبارا بقوله : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) ، " وأحل لكم ما وراء ذلكم " .

قال أبو جعفر : والذي نقول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الإسلام ، غير مختلفتي المعنى ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الحق .

وأما معنى قوله : ما وراء ذلكم ، فإنه يعني : ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم أن تبتغوا بأموالكم يقول : أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم ، إما شراء بها ، وإما نكاحا بصداق معلوم ، كما قال - جل ثناؤه - : ( ويكفرون بما وراءه ) [ سورة البقرة : 91 ] ، يعني : بما عداه وبما سواه .

[ ص: 174 ] وأما موضع : " أن " من قوله : أن تبتغوا بأموالكم فرفع ، ترجمة عن " ما " التي في قوله : وأحل لكم ما وراء ذلكم في قراءة من قرأ " وأحل " بضم " الألف " . ونصب على ذلك في قراءة من قرأ ذلك : " وأحل " بفتح " الألف " .

وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين ، على معنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا . فلما حذفت " اللام " الخافضة ، اتصلت بالفعل قبلها فنصبت . وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض ، بهذا المعنى ، إذ كانت " اللام " في هذا الموضع معلوما أن بالكلام إليها الحاجة .

التالي السابق


الخدمات العلمية