الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 231 ] ( 21 ) باب صيام اليوم الذي يشك فيه

647 - ذكر فيه مالك أنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان ، إذا نوى به صيام رمضان ، ويرون أن على من صامه ، [ ص: 232 ] على غير رؤية ثم جاء الثبت أنه من رمضان ; أنه عليه قضاءه ولا يرون ، [ ص: 233 ] بصيامه تطوعا بأسا .

14688 - قال مالك : وهذا الأمر عندنا ، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا .

التالي السابق


14689 - قال أبو عمر : هذا أعدل المذاهب في هذه المسألة إن شاء الله ، وعليه جمهور العلماء .

14690 - وممن روي عنه كراهة صوم يوم الشك : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وحذيفة ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو هريرة ، وأنس بن مالك .

[ ص: 234 ] 14691 - ومن التابعين : سعيد بن المسيب ، وأبو وائل ، والشعبي ، وعكرمة ، وإبراهيم النخعي ، والحسن ، وابن سيرين .

14692 - وبه قال مالك ، والأوزاعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وإسحاق ابن راهويه ، وداود بن علي .

14693 - والحجة في ذلك من طريق الأثر حديث عمار ، قال : من صام هذا اليوم - يعني يوم الشك - فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - .

14694 - وقال الليث بن سعد : من أصبح صائما في آخر يوم من شعبان متطوعا أو احتياطا - كالدخول لدخول رمضان إذا أصبح مفطرا إلا أنه لم يطعم ، ثم جاءهم الخبر أنه من رمضان - فإنهم يتمون صيامهم ، ولا قضاء عليهم .

14695 - قال الليث : وإن لم يأتهم الخبر إلا بعد ذلك اليوم أو بعد ما أمسوا [ ص: 235 ] كان عليهم قضاء ذلك اليوم .

18696 - وكان عبد الله بن عمر يصومه إذا حال دون منظر الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غيم أو سحاب ، وإن لم يكن ذلك لم يصمه .

14697 - وتابعه على ذلك : أحمد بن حنبل . وروي عن أسماء بنت أبي بكر ، أنها كانت تصوم اليوم الذي يغم فيه على الناس نحو مذهب ابن عمر .

14698 - وروت عن عائشة أنها قالت : لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .

14699 - وهذا صوم اليوم الذي يشك فيه .

14700 - وقال أحمد بن حنبل : الذي أذهب إليه في هذا - فعل ابن عمر .

14701 - ثم قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال : أخبرنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له " .

14702 - قال نافع : فكان عبد الله إذا كان من شعبان تسع وعشرون بعث من ينطر الهلال ، فإن رآه فذلك ، وإن لم ير دون منظره سحاب أو قتر أصبح مفطرا ، [ ص: 236 ] وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما .

14703 - قال أحمد : إن كان صحوا ولم يكن في السماء علة ، أكملوا شعبان ثلاثين يوما ، وإن كان في السماء علة ليلة الشك ، فأصبح الرجل وقد أجمع الصيام من الليل وصام ، فإذا هو من رمضان أجزأه ، وإن لم يجمع الصيام من الليل ، وقال : إن صام الناس صمت وأصبح على ذلك وصامه لم يجزه ؛ لحديث حفصة : " لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل " .

[ ص: 237 ] 14074 - قال أبو عمر : كل من أجمع الصيام بلا تبييت أجاز قول من قال : إن كان غدا رمضان صمت ، وأصبح على ذلك صائما من غير يقين بدخول رمضان ، وبعضهم يقول : قد وفق لصيامه . وقد مضت هذه المسألة في صدر هذا الكتاب .

14705 - وذكر البويطي ، والربيع ، عن الشافعي ، قال : لا أحب لأحد أن يتعمد صيام يوم الشك تطوعا . ومن كان يسدد الصيام أو كان يصوم أياما جعلها على نفسه ، فوافق ذلك اليوم فلا بأس أن يصومه .

14706 - وكرهت طائفة من أهل الحديث صيام يوم الشك تطوعا لحديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق [ ص: 238 ] ذلك صوما كان يصومه أحدكم " .

14707 - وهو حديث صحيح من جهة النقل ، وقد قيل : إن ذلك كراهة أن يدخل صيام شعبان برمضان .

14708 - واستحب ابن عباس وجماعة من السلف - رحمهم الله - أن يفصلوا بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو أيام ، كما كانوا يستحبون أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو مشي أو تقدم أو تأخر عن المكان .

14709 - وقد روى الدراوردي وغيره عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا بقي نصف شعبان فلا تصوموا " .

[ ص: 239 ] 14710 - وهو حديث صحيح ، إلا أن الذي عليه جماعة الفتوى من فقهاء الأمصار ، أنه لا بأس بصيام يوم الشك تطوعا كما قال مالك - رحمه الله - .

14711 - قال أبو عمر : من هنا قال يحيى بن معين : كانوا يتقون حديث العلاء بن عبد الرحمن .

[ ص: 240 ] 14712 - وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صام شعبان كله . وهذه حجة لهم .

14713 - ومن حديث عائشة - رضي الله عنها - : " ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر صياما منه في شعبان ، كان يصومه إلا قليلا ، بل كان يصومه كله " .

[ ص: 241 ] 14714 - رواه محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن عائشة .

18710 - وروى الثوري ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة قالت : " ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان " .

14716 - وقال عبد الله بن المبارك : جائز في كلام العرب أن يقال : صام الشهر كله إذا صام أكثره إن شاء الله تعالى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث