الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رسالة البيهقي في فضائل الأشعري

قال البيهقي في أثناء الرسالة: "فليعلم الشيخ العميد أن أبا الحسن من أولاد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه" .

ثم ذكر من فضائل أبي موسى، والأشعريين، وذرية أبي موسى أمورا معروفة، إلى قال: "إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري، فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة، في أصول الدين، فبصرنا بزيادة شرح وتبيين وأن ما قالوه وجاء به الشرع في الأصول صحيح في المعقول، خلاف ما زعمه أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه [ ص: 100 ] تقوية ما لم يزل عليه أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة، كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من أهل الحجاز، وغيرها من سائر البلاد، كأحمد بن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري إمامي أهل الآثار، وذلك من دأب من تصدر من الأئمة في هذه الأمة، وصار رأسا في العلم من أهل السنة، في قديم الدهر وحديثه.

إلى أن قال: "وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة، وتركوا ظاهر الكتاب والسنة، وأنكروا ما ورد أنه من صفات الله تعالى، نحو: الحياة، والقدرة، والعلم، والمشيئة، والسمع، والبصر، والكلام، وجحدوا ما دل عليه من المعراج، وعذاب القبر، والميزان، وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران، وما لنبينا صلى الله عليه وسلم من الحوض والشفاعة، وأن الخلفاء الأربعة [ ص: 101 ] كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية، وزعموا أن شيئا من ذلك لا يستقيم على العقل، ولا يصح في الرأي - أخرج الله من نسل أبي موسى الأشعري إماما قام بنصرة دين الله، وجاهد بلسانه وبنانه من صد عن سبيل الله، وزاد في التبيين لأهل اليقين، أن ما جاء به الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، مستقيم على العقول الصحيحة والآراء".

ومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة.

قال أبو القاسم بن عساكر: "وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من المحنة واستعار ما أشار بإطفائه - في رسالته -من الفتنة، ما تقدم به من سب حزب الشيخ أبي الحسن الأشعري، في دولة السلطان طغرلبك، ووزارة أبي نصر الكندري، وكان السلطان حنيفا سنيا، وكان وزيره معتزليا رافضيا، فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع، قرن الكندري - للتسلي والتشفي - اسم الأشعرية [ ص: 102 ] بأسماء أرباب البدع، وامتحن الأئمة الأفاضل، وعزل أبا عثمان النيسابوري عن خطبة نيسابور، وفوضها إلى بعض الحنفية، فأم الجمهور، وخرج الأستاذ أبو القاسم وأبو المعالي عن البلد" .

ثم ذكر زوال تلك المحنة في دولة ابن ذلك السلطان ووزارة النظام.

وهذا الذي ذكره عنه البيهقي هو المعروف في كتبه وعند أئمة الصحابة، وذكر ابن عساكر عن جماعة ما يوافق كلام البيهقي فذكر أن أبا الحسن القابسي - وهو من كبار أئمة المالكية بالمغرب - سأل عنه فكان في جوابه: "واعلموا أن أبا الحسن الأشعري لم يأت من هذا الأمر - يعني الكلام - إلا ما أراد به إيضاح السنن، والتثبيت عليها، ودفع الشبه عنها.

وقال أبو بكر بن فورك: "انتقل الشيخ أبو الحسن الأشعري [ ص: 103 ] من مذاهب المعتزلة إلى نصرة مذاهب أهل السنة والجماعة بالحجج العقلية، وصنف في ذلك الكتب.

وذكر ابن عساكر كلامه في مصنفاته.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث