الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب يهوي بالتكبير حين يسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

770 [ ص: 87 ] 128 - باب

يهوي بالتكبير حين يسجد

وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه.

التالي السابق


بوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود. وذكر فيه أحكاما أخرى من أحكام السجود.

فأما التكبير في حال الهوي، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة .

وكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد.

وقال النخعي : كبر وأنت تهوي، وأنت تركع.

يشير إلى أن التكبير للركوع يكون - أيضا - في حال الهوي إليه كالسجود.

والهوي: هو السقوط والانخفاض، وهو بتشديد الياء، وأما الهاء فمضمومة. وقيل: بفتحها: ثم قيل: هما لغتان. وقيل: بل هو بالضم الصعود، وبالفتح النزول.

وقال بعض أصحابنا: يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال، وانتهاؤه مع انتهائه، فإن كمله في جزء من الانتقال، ولم يستوعبه به أجزأه؛ لأنه لم يخرج به عن محله، وإن شرع فيه قبله أو كمله بعده، فوقع بعضه خارجا منه، فهو كتركه، لأنه لم يكمله في محله، فهو كمن تمم قراءته في الركوع.

[ ص: 88 ] قال: هذا هو قياس المذهب.

قال: ويحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي إبطال الصلاة بعمده، وإيجاب السجود لسهوه مشقة.

وقال أصحاب الشافعي : يبتدئ تكبير الركوع قائما، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع.

قالوا: هذا هو الذي نص عليه الشافعي في " الأم ". وقطع به العراقيون.

وحكى الخراسانيون قولين: أحدهما: هذا. قالوا: وهو الجديد.

والثاني - وهو القديم -: لا يديم التكبير بل يسرع به.

قالوا: والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات: هل تحذف، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها؟ والصحيح: المد.

وقالوا في تكبير السجود: إنه يشرع به من حين يشرع في الهوي، ولم يقولوا: إنه يبتدئه قائما، كما قالوا في تكبير الركوع، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في " الأم ": أحب أن يبتدئ التكبير قائما وينحط مكانه ساجدا. قال: وإن أخر التكبير عن ذلك - يعني: عن الانحطاط - أو كبر معتدلا، أو ترك التكبير كرهت ذلك. انتهى.

وهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الانحطاط وتقديمه عليه كتركه.

وممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره: مالك والثوري وأحمد وغيرهم.

وأما ما ذكره البخاري ، عن نافع - تعليقا - قال: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه.

[ ص: 89 ] فخرج ابن خزيمة في " صحيحه " والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج ، عن الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك .

وخرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة ، عن الدراوردي ، به.

وقال البيهقي : ما أراه إلا وهما - يعني: رفعه.

وقد رواه ابن أخي ابن وهب ، عن عمه، عن الدراوردي كذلك.

وقيل: إن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك.

ورواه أبو نعيم الحلبي ، عن الدراوردي ، فوقفه على ابن عمر .

قال الدارقطني : وهو الصواب.

وروي عن ابن عمر خلاف ذلك؛ روى ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه.

خرجه ابن أبي شيبة .

وروى شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه، عن وائل بن حجر ، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.

خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال: حديث حسن.

[ ص: 90 ] وخرجه الحاكم ، وصححه.

وهو مما تفرد به شريك ، وليس بالقوي.

وخرجه أبو داود من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال همام : ونا عاصم بن كليب ، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثله.

فهذا الثاني مرسل، والأول منقطع؛ لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه.

وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة، لا تخلو من ضعف.

وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ، ولا يثبت - أيضا - وأجود طرقه: من رواية محمد بن عبد الله بن حسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه ".

خرجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصرا. وقال: غريب.

وقال حمزة الكناني : هو منكر.

ومحمد راويه، ذكره البخاري في " الضعفاء "، وقال: يقال: ابن حسن ، ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد ، أم لا؟ فكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور ، ثم قتله المنصور بها.

وزعم حمزة الكناني ، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له: الديباج ، وهو بعيد.

[ ص: 91 ] واختلف العلماء في الساجد: هل يضع ركبتيه قبل يديه، أم يديه قبل ركبتيه؟ فقال الأكثرون: يضع ركبتيه قبل يديه.

قال الترمذي : وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله .

وهو قول مسلم بن يسار ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

وقال حجاج ، عن أبي إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم.

وكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: هل يفعله إلا مجنون؟

وقالت طائفة: يبدأ بيديه قبل ركبتيه، وهو مروي عن الحسن ، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم، وحكي رواية عن أحمد .

ومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة، وهو أصح.

وقال الأوزاعي : أدركت الناس يصنعونه.

وهو قول مالك . وروي عنه، أنهما سواء.

وقال قتادة : فيضع أهون ذلك عليه.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث