الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما

( الفرق الثالث والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما ) .

وقد حضرني من المحرم الذي ليس بكفر اثنا عشر قسما ثبت الحصر فيها بالاستقراء فتكون هي [ ص: 266 ] المحرمة وما عداها ليس محرما عملا بالاستقراء في القسمين ، فإن ظفر أحد بقسم آخر محرم أضافه لهذه الاثني عشر وها أنا أمثل كل قسم بمثله اللائقة به ليقاس عليها نظائرها

: القسم الأول أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات التي لا تخل بجلال الربوبية وله أمثلة :

( الأول ) أن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين فهذا سوء أدب على الله تعالى ولا يطلب من الملوك إلا ما يعلم أنه في قدرتهم ومن فعل غير ذلك فقد عرضهم للعجز لا سيما والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية .

[ ص: 267 ] الثاني ) أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من الحكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر ليفتخر بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به أكثر من سائر العلماء .

( الثالث ) أن يسأل الله تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا ، وقد دلت العقول على استحالة جميع ذلك فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقلا كان طلبها من الله تعالى سوء أدب عليه ؛ لأن طلبها يعد في العادة تلاعبا وضحكا من المطلوب منه ، والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه فما نافى إجلال خلقه أولى أن ينافي جلاله من كل نقص بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه بقوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، وقال عليه الصلاة والسلام { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } أي ثناؤك [ ص: 268 ] المستحق ثناؤك على نفسك أما ثناء الخلق فلا ؛ لأنه دون المستحق وقس على هذه المثل نظائرها واقض بأنها معصية ولا تصل إلى الكفر لأنها من باب قلة الأدب في المعاملة دون انتهاك حرمة ذي الجلال والعظمة

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق الثالث والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما ، وقد حضرني من المحرم الذي ليس بكفر اثنا عشر قسما ثبت الحصر فيها بالاستقراء فتكون هي [ ص: 266 ] المحرمة ، وما عداها ليس محرما عملا بالاستقراء في القسمين ، فإن ظفر أحد بقسم آخر أضافه لهذه الاثني عشر وها أنا أمثل كل قسم بمثله اللائقة به ليقاس عليها نظائرها : القسم الأول أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات التي لا تخل بجلال الربوبية وله أمثلة : الأول أن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين فهذا سوء أدب على الله تعالى ، ولا يطلب من الملوك إلا ما يعلم أنه في قدرتهم ومن فعل غير ذلك فقد عرضهم للعجز لا سيما والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية ) .

قلت ما قاله من أن الدعاء بالكون في مكانين في زمن واحد حرام لم يأت عليه بحجة غير ما أشار إليه من القياس على الملوك وهو قياس فاسد لجواز العجز عليهم وامتناعه عليه تعالى .

وما قاله من أن العبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه هو عين الدعوى ، وما قاله من أنه يلزم أن يكون متهكما بالربوبية ممنوع ولا وجه لما قاله إلا القياس على الملوك ، وما باله يقيسه تعالى عليهم في قصد التعجيز والتهكم ولا يقيسه عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلو في ترفيعهم لا على قصد تعجيزهم بل لقائل أن يقول من خاطب الله تعالى بمثل ذلك تعين أن يكون للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه أو قاصدا للتعجيز أو غير قاصد لهذا ولا لهذا ، فعلى التقدير الأول لا حرج بل يكون مطيعا مأجورا ، وعلى التقدير الثاني يكون عاصيا وعلى التقدير الثالث يكون مطيعا بصورة الدعاء مثابا عليه غير مطيع ولا عاص بالقصد لعروه عنه [ ص: 267 ]

قال ( الثاني أن يسأل الله تعالى دوام إصابة كلامه من الحكم الدقيقة والعلوم الشريفة أبد الدهر ليفتخر بذلك على سائر الفضلاء وينتفع به أكثر من سائر العلماء ) قلت ليس هذا المثال من هذا القسم بل هو من القسم الثاني الذي هو طلب المستحيلات العادية .

قال ( الثالث أن يسأل الله تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا ، وقد دلت العقول على استحالة جميع ذلك فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقلا كان طلبها من الله تعالى سوء أدب عليه ؛ لأن طلبها يعد في العادة تلاعبا وضحكا من المطلوب منه والله تعالى يجب له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه فما نافى إجلال خلقه أولى أن ينافي جلاله من كل نقص ) قلت ما قاله من أن هذه الأمور مستحيلة عقلا خطأ بل هي مستحيلة عادة إلا الاستغناء عن الأعراض فهو من المستحيل عقلا خاصة عند من لا يجوز العرض لا عند من يجوزه ، وما قاله من أن طلب ذلك سوء أدب قد مرجوا به ، وما قاله من أنه يجب لله تعالى من الإجلال إلى آخره صحيح غير أن في كلامه إيهام المشاركة في موجب الإجلال من جهة اقتضاء أفعل التي للمفاضلة . قال ( بل قد عاب الله تعالى جميع خلقه بقوله تعالى { ، وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، وقال عليه الصلاة والسلام { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } أي ثناؤك [ ص: 268 ] المستحق ثناؤك على نفسك أما ثناء الخلق فلا لأنه دون المستحق ) قلت إن كان الثناء اللائق بجلاله تعالى مما يدخل تحت اكتساب البشر .

ثم قصروا فيه لحقهم الذم والعيب لأجل ذلك ، وإن كان مما لا يدخل فلا يلحقهم ذم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . قال ( وقس على هذه المثل نظائرها واقض بأنها معصية ولا تصل إلى الكفر لأنها من باب قلة الأدب في المعاملة دون انتهاك حرمة ذي الجلال والعظمة ) قلت قد سبق أنه لم يأت بحجة على أن مثل ذلك قلة أدب فلا قياس والله أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو محرم من الدعاء وليس بكفر وبين قاعدة ما ليس محرما ) .

ادعى الأصل أن المحرم الذي ليس بكفر من الدعاء ثبت حصره باستقرائه في اثني عشر قسما فتكون هي المحرمة وما عداها ليس محرما عملا بالاستقراء في القسمين . قال فإن ظفر أحد بقسم آخر محرم أضافه لهذه الاثني عشر وساق الأقسام بمثلها ولم يسلم له الإمام ابن الشاط من الاثني عشر إلا ستة : ( القسم الأول ) منها الدعاء المعلق على مشيئة الله وتعالى فلا يجوز للداعي أن يقول اللهم اغفر لي إن شئت ولا اللهم اغفر لي إلا أن تشاء ولا اللهم إلا أن تكون قد قدرت غير ذلك وما أشبه هذه النظائر لما ورد في الصحيح { لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت وليعزم المسألة } وسره أن هذا الدعاء عري عن إظهار الحاجة إلى الله تعالى ومشعر بغنى العبد عن الرب هذا ما وجه به الأصل وسلمه ابن الشاط ، وأما توجيهه أيضا بأن هذا الحديث دل على طلب المغفرة على تقدير كونها مقدرة ، وإذا قدرت وهي واقعة جزما بغير دعاء وطلب تحصيل الحاصل محال لا يجوز لمناقضته لقواعد الشريعة والأدب مع الله تعالى فقال ابن الشاط هذا ليس بصحيح فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة بالمغفرة وهي معلومة الحصول عنده صلى الله عليه وسلم وعندنا وأمرنا أن ندعو له صلى الله عليه وسلم بإتيانه الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وذلك كله معلوم الحصول عنده صلى الله عليه وسلم وعندنا ا هـ .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الثاني ) من الستة الدعاء المعلق بشأن الله تعالى وله أمثلة منها أن يقول اللهم افعل بي ما أنت أهله في الدنيا والآخرة ؛ لأنه قد سئل من الله تعالى أن يفعل به إما الخير وإما الشر وأن يغفر له أو يؤاخذه وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام { لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت } ولأن الدعاء بمثل ذلك فيه إظهار الاستغناء وعدم الافتقار فيكون معصية إلا أن ينوي الداعي ما أنت أهله من الخير الجزيل ولا يقتصر في نيته على مطلق الخير فيذهب حينئذ التحريم ولم يفته نية تعظيم المسألة الذي يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم { إذا سألتم الله فأعظموا المسألة فإن الله لا يتعاظمه شيء وإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس الأعلى } ويقتصد في نيته على مطلق الخير فيذهب التحريم لكن يفوته نية تعظيم المسألة . قال ابن الشاط ، وكذا إن لم ينو شيئا أصلا وكان ممن لم يعتقد مذهب الاعتزال ؛ لأن قرينة الحال في كون الإنسان لا يريد لنفسه إلا الخير مع سلامته من اعتقاد الاعتزال تقيد مطلق دعائه فلا كفر ولا معصية خلافا لقول الأصل إن الداعي [ ص: 291 ] بذلك إذا لم ينو شيئا أصلا كان عاصيا ولو لم يعتقد مذهب الاعتزال من أن الله تعالى لا يفعل إلا الخير ولا يفعل الشر إلا شرير وأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه وهو إما كفر أو فسوق بالإجماع من أهل السنة كمذهب الحشوية من اعتقاد جسمية الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بناء على أن كلا من هذين المذهبين يسبق إلى طبع الإنسان البشري بحسب العادة المألوفة حتى يرتاض بالعلوم العقلية والنقلية .

فمن حيث إن كل أحد إنما يريد بهذا الدعاء الخير وإنه يريد بمقتضى ما يسبق إلى طبعه البشري من شائبة الاعتزال أن ذلك هو شأن الله تعالى يثبت التحريم . قال فاحذر شائبة الاعتزال التي تسبق إلى الطباع واقصد بنيتك ما يليق بجلال ربك ولم يلفت مع ذلك إلى قرينة الحال في كونه لا يريد لنفسه إلا الخير مع سلامته من اعتقاد الاعتزال من كونها تقيد مطلق دعائه كما التفت إليها ابن الشاط فقال لا كفر ولا معصية إذا لم ينو الداعي بهذا شيئا أصلا وكان ممن لم يعتقد مذهب الاعتزال ؛ لأن قرينة حاله تقيد مطلق دعائه ، ومنها أن يقول اللهم افعل بي في الدنيا والآخرة ما يليق بعظمتك أو بجلالك أو بكبريائك أو بذاتك أو بربوبيتك أو نحو ذلك من كل ما يأتي من هذا الباب ، ومنها أن يقول اللهم هبني ما يليق بقضائك وقدرتك فإن اللائق بعظمته تعالى ونحو ذلك الفضل والعدل وهما على حد سواء ليس أحدهما أولى من الآخر بالنسبة إلى عظمته واللائق بقضائه وقدره الكثير والحقير والخير والشر ومحمود العاقبة وغير محمودها فالكلام على هذين المثالين كالكلام على المثال الأول بلا فرق .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الثالث ) من الستة الدعاء بالألفاظ العجمية التي غلب على عادة مستعمليها من العجم الضلال والفساد لقوله تعالى لنوح عليه السلام { فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } وقول نوح عليه السلام { إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم } فإن معناه أن أسألك ما ليس لي بجواز سؤاله علم فدل ذلك على أن العلم بالجواز شرط في جواز السؤال فما لم يعلم جوازه لا يجوز سؤاله وأكد الله تعالى ذلك بقوله { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } واللفظ العجمي لا سيما الصادر ممن غلب عليهم من العجم الضلال والفساد غير معلوم الجواز لجواز اشتماله على ما ينافي جلال الربوبية فلذا منع العلماء من الدعاء بالألفاظ العجمية الصادرة ممن غلب على عادتهم من العجم ذلك حتى يعلم خلوصها من الفساد ومنع مالك رحمه الله تعالى من الرقي بها ، وأما الصادرة ممن لم يغلب على عادتهم من العجم ذلك فيكره الدعاء والرقي بها سدا للذريعة .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الرابع ) من الستة [ ص: 292 ] الدعاء على غير الظالم لأن الله سبحانه وتعالى ، وإن كان عالما بأحوال العباد جملة وتفصيلا وأن هذا الدعاء إضرار بغير مستحق إلا أن المدعو عليه لا يخلو إما أن يكون قد اقترف ذنوبا أو اكتسب سيئات من غير جهة الداعي وهذا هو الغالب ، وإما أن يكون نقيا من الذنوب وطاهرا من جميع العيوب فيجوز على الأول أن يستجيب الله تعالى هذا الدعاء ويجعله سببا للانتقام من هذا المدعو عليه بذنوبه السالفة .

ويجوز على الثاني أن يستجيب الله هذا الدعاء ليجعله سببا لرفع درجات هذا العبد صبر أم لا وسببا لوقوع الصبر من الصابر فيحصل له الجزيل من الثواب فافهم ويكون الداعي على كلا الوجهين ظالما بدعائه الذي أنفذه الله تعالى في المدعو عليه ؛ لأنه سعى في إضرار غير مستحق وكل المساعي الضارة بغير استحقاق حرام فيعاقبه الله تعالى على دعائه بغير حق ، ونظير ذلك أن الله تعالى قد ينفذ في عبده المؤمن سهم العدو والكافر وسيف القاتل له ظلما كما يسلط عليه السباع والهوام ، وإن لم يصدر منه في حقها ما يوجب ذلك إما مؤاخذة له بذنوبه أو رفعا لدرجاته فكما أن صاحب السيف والرمح ظالم وينفذ الله سيفه ورمحه في المظلوم ويعاقبه على ظلمه كذلك صاحب الدعاء ظالم بدعائه وينفذ الله دعاءه في المظلوم ويعاقبه على ظلمه أيضا والكل عدل من الله تعالى .

( تنبيه ) أجاز مالك وجماعة من العلماء الدعاء على الظالم وادعى الأصل أن دليله قوله تعالى { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } . قال ابن الشاط وليس كذلك ، وإنما الآية دليل على جواز الانتصار الذي هو الانتصاف منه على درجة لا يكون فيها زيادة على قدر الظلم وبالوجه الذي أبيح الانتصاف به وجواز الانتصاف لا يستلزم جواز الدعاء عليه إلا أن يكون الدعاء بتيسير أسباب الانتصاف منه فقد يسوغ دعوى دلالة الآية عليه ضمنا لا صريحا ، وأما الدعاء بغير ذلك فليس فيها دلالة على جوازه لا ضمنا ولا صريحا ا هـ فمن هنا قال الأصل وسلمه ابن الشاط وحيث قلنا بجواز الدعاء على الظالم فلا تدعو عليه بمؤلمة من أنكاد الدنيا لم تقتضها جنايته عليك بأن يجني عليك جناية فتدعو عليه بأعظم منها فتكون جانيا عليه بالمقدار الزائد والله تعالى يقول { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } بل تدعو عليه بمؤلمة من أنكاد الدنيا تقتضيها جنايته ولا ينبغي أن تدعو عليه بملابسة معصية من معاصي الله تعالى ولا بالكفر صريحا أو ضمنا بأن تقول اللهم ارزقه سوء الخاتمة أو غير ذلك من العبارات الدالة على طلب الكفر .

وإن [ ص: 293 ] كان الصحيح - كما قال ابن الشاط - أن مريد المعصية ليس بعاص إلا إن اقترن بإرادته المعصية قول في المعصية التي هي قول أو فعل في المعصية التي هي فعل فذلك معصية ، وأما مجرد الإرادة فليس بمعصية على ما اقتضاه قوله صلى الله عليه وسلم { إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم } فإرادة الكفر داخلة تحت عموم الحديث المذكور ولا أعلم لهذا الحديث الآن معارضا فلا كفر لمريد الكفر حيث لم يقع منه الكفر بقول إن كان ذلك الكفر قولا ، أو بفعل إن كان ذلك فعلا فأولى أن لا يكون مريد ما يلزم عنه الكفر كافرا ؛ لأنه إن كانت إرادته كفر الغير بقصد نفعه لرجحان الكفر عنده على الإيمان فهذا كفر ، وإن كانت إرادته كفر الغير بقصد إضراره فهي معصية غير كفر ا هـ قلت ، وكذا إن أراد معصية الغير بقصد نفعه بالمعصية لرجحان المعصية على الطاعة عنده أو أراد معصية الغير بقصد إضراره فهي لمكان الرضا بالمعصية في الأول وإضرار الغير في الثاني فافهم . بل الأحسن للمظلوم الصبر والعفو عن الظالم لقوله تعالى { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي من معزومها ومطلوبها عند الله تعالى .

فإن زاد في الإحسان على ذلك بأن دعا له بالإصلاح والخروج عن الظلم فقد أحسن إلى نفسه بمثوبة العفو وتحصيل مكارم الأخلاق وإلى الجاني بالتسبب إلى إصلاح صفاته وإلى الناس كافة بالتسبب إلى كفايتهم شره فهذه ثلاثة أنواع من الإحسان لا ينبغي أن تفوت اللبيب لا سيما وقد روي أن الإنسان إذا دعا بمكروه على بريء أو على جان بأزيد من جنايته تقول له الملائكة ولك مثله ، وإن دعا بخير لأحد جانيا أو بريئا تقول له الملائكة ولك مثله . نعم ينبغي في الظالم الذي لا يردعه إلا إظهار الدعاء عليه أن يكون العفو عنه فيما بينك وبين الله تعالى وأن لا يظهر له ذلك بل أظهر ما فيه صلاحه من دعائك عليه ، وأما من يجود إذا جدت عليه فينبغي إظهار ذلك له .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الخامس ) من الستة الدعاء بطلب وقوع المحرمات في الوجود إما لنفسه كأن يقول اللهم أمته كافرا أو اسقه خمرا أو أعنه على المكس الفلاني أو وطء الأجنبية الفلانية وهي مشتملة على معصية ، وإما لغيره عدوه كقوله اللهم لا تمت فلانا على الإسلام اللهم سلط عليه من يقتله أو يأخذ ماله أو صديقه كقوله اللهم يسر له الولاية الفلانية أو السفر الفلاني وصحبة الوزير فلان أو الملك فلان ويكون جميع ذلك مشتملا على معصية من معاصي الله تعالى فجميع ذلك محرم تحريم الوسائل ومنزلته من التحريم منزلة متعلقه فالدعاء بتحصيل أعظم المحرمات [ ص: 294 ] أقبح الدعاء ودليل أن الدعاء بالمحرم محرم ما روي من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله تعالى ومحبة معصية الله تعالى محرمة .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم السادس ) من الستة الدعاء الموهم استئناف صفتي القدرة والإرادة كقول الداعي اللهم قدر لنا أو اقض لنا بالخير واستئناف العلم كقول الداعي اللهم اجعل سعادتنا مقدورة في علمك . قال الأصل ووجه ذلك أن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل لأنه طلب والطلب في الماضي محال فيكون مقتضى الدعاء الأول والثاني أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان والتقدير جميعه وقع في الأزل فيكون قوله في الأول اللهم قدر إلخ ، وكذا قوله في الثاني اللهم اقض إلخ لأن معنى اقض مساو في المعرف جميعه وقع في الأزل فيكون قوله في الأول اللهم قدر إلخ ، وكذا قوله في الثاني اللهم اقض إلخ ؛ لأن معنى اقض مساو في المعرف لمعنى قدر يقتضي مذهب من يرى أنه لا قضاء في الأزل وأن الأمر أنف كما خرجه مسلم عن الخوارج وهو فسق بالإجماع .

قال ، وكذلك يقال في الدعاء الثالث لأن الذي يتقدر في العلم هو الذي تعلقت به الإرادة القديمة فكلما يستحيل استئناف تعلق الإرادة به يستحيل استئناف تعلق العلم به فيستحيل استئناف تعلق العلم بالسعادة فيكون محرما لما مر . نعم لا يكون قوله اللهم اقدر أو اقض إلخ محرما للإيهام المذكور إلا عند الإطلاق وعدم النية أما إن أراد بالتقدير التيسير مجازا فلا حرمة ولا معصية وحينئذ يتعين أن يعتقد أن التقدير فيما ورد عن الشارع صلى الله عليه وسلم من { قوله في الاستخارة واقدر لي الخير حيث كان ورضني به } بمعنى التيسير مجازا ا هـ ، وقال ابن الشاط ما خلاصته إن الدعاء بالأول والثاني ، وإن أوهما استئناف صفتي القدرة والإرادة لا يفتقرا إلى نية كما قال الأصل بعد أن ورد عن الشارع صلى الله عليه وسلم في قوله في الاستخارة واقدر ؛ لأن مقتضى استحالة استئناف صفتي القدرة والإرادة قرينة صارفة ومعينة للحمل على أن المراد بالدعاء الأول والثاني ما يجوز من استئناف المقدور ، والمراد فلا امتناع فيهما للإيهام المذكور ، وأما الدعاء الثالث فيمتنع لإيهامه استئناف العلم كما قال الأصل ؛ لأنه لم يرد عن الشارع استئناف العلم فيما علمت مثل ما ورد في استئناف القدرة والإرادة من قوله صلى الله عليه وسلم في الاستخارة واقدر فليس الإيهام هنا مثل الإيهام في الأول والثاني لعدم ورود الإيهام هنا عن الشارع صلى الله عليه وسلم فيما علمت ووروده عنه صلى الله عليه وسلم هناك . ا هـ .

قلت ووجه ما قاله ابن الشاط أن موهم ما يستحيل في حقه تعالى ثلاثة أقسام :

( القسم الأول ) ما ورد هو نفسه في كتاب أو سنة صحيحة كالاستواء في قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } والفوقية في قوله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } والإتيان في قوله تعالى [ ص: 295 ] { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } والمجيء في قوله تعالى { وجاء ربك } والوجه في قوله تعالى { ويبقى وجه ربك } واليد في قوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } والنزول في حديث الصحيحين { ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا } والصورة في حديثهما أيضا { إن الله خلق آدم على صورته } فهذا يجوز إطلاقه على الله تعالى لكن أما مع التأويل التفصيلي كما هو طريقة الخلف بأن يقال المراد بالاستواء الاستيلاء والملك كما قال

قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

وبالفوقية التعالي في العظمة دون المكان وبالإتيان إتيان رسول عذابه أو رحمته وثوابه ، وكذا النزول وبالوجه الذات أو الوجود وباليد القدرة ويرجع ضمير على صورته إلى الأخ المصرح في الطريق الأخرى التي رواها مسلم بلفظ { إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته } والمراد بالصورة الصفة وأما مع التأويل الإجمالي ويفوض علم المعنى المراد من ذلك النص تفصيلا إليه تعالى كما هو طريق السلف كما قال الإمام مالك لما سئل عن قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة كما في شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد .

( والقسم الثاني ) ما ورد نظيره في كتاب أو سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله واعلم أن من قال جسم كالأجسام فاسق ولا يعول على استظهار بعض أشياخنا كفره كيف ، وقد صح وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي نعم لم ترد عبارة جسم فليتأمل ا هـ بلفظها قلت ومن هذا القسم قول القائل إنه تعالى في مكان ليس كمكان الحوادث لأنه قد صح استواء على العرش لا كالاستواء على السرير نعم لم ترد عبارة مكان بل قال إمام الحرمين : حديث { لا تفضلوني على يونس } يفيد أنه تعالى منزه عن المكان أزلا إذ لولا تنزهه عن الجهة لكان محمد صلى الله عليه وسلم في معراجه أقرب من يونس في نزول الحوت به لقاع البحر كما أفاده الأمير في الحاشية المذكورة .

( والقسم الثالث ) ما لم يرد هو ولا نظيره في كتاب ولا سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في الحاشية المذكورة أيضا بقوله وذهب بعض المتصوفة والفلاسفة إلى أنه تعالى الوجود المطلق وأن غيره لا يتصف بالوجود أصلا حتى إذا قالوا الإنسان موجود فمعناه أن له تعلقا بالوجود وهو الله تعالى وهو [ ص: 296 ] كفر ولا حلول ولا اتحاد ، فإن وقع من أكابر الأولياء ما يوهم ذلك أول بما يناسبه كما يقع منهم في وحدة الوجود كقول بعضهم ما في الجبة إلا الله أراد أن ما في الجبة والكون كله لا وجود له إلا بالله { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } وذلك اللفظ ، وإن كان لا يجوز شرعا لإيهامه لكن القوم تارة تغلبهم الأحوال فإن الإنسان ضعيف إلا من تمكن بإقامة المولى سبحانه ، ورأيت في مفاتيح الكنوز أن الحلاج قال أنا وفيه بقية ما من شعوره بنفسه ثم فني بشهوده فقال الله فهما كلمتان في مقامين مختلفين لكن ممن أفتى بقتله الجنيد كما في شرح الكبرى عملا بظاهر الشريعة الذي هو أمر الباطن والظاهر وبالجملة فالمقام العظيم لا تحيط به العبارة والوجدان يختلف بحسب ما يريد الحق ورأيت وأظنه في كلام ابن وفا أن من أعظم إشارات وحدة الوجود قوله تعالى { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط } وصح في الحديث كنت سمعه وبصره إلخ ومن ألطف إشاراته قول أبي مدين التلمساني

الله قل وذر الوجود وما حوى     إن كنت مرتادا بلوغ كمال
فالكل دون الله إن حققته     عدم على التفصيل والإجمال
واعلم بأنك والعوالم كلها     لولاه في محو وفي اضمحلال
من لا وجود لذاته من ذاته     فوجوده لولاه عين محال
والعارفون فنوا به لم يشهدوا     شيئا سوى المتكبر المتعالي
ورأوا سواه على الحقيقة هالكا     في الحال والماضي والاستقبال

ا هـ بلفظها قلت ومما هو جار على مذهب بعض المتصوفة والفلاسفة المذكور قول صاحب التحفة المرسلة وإن ذلك الوجود محيط بجميع الموجودات إحاطة الملزوم باللوازم والموصوف بالصفات لا كإحاطة الظرف بالمظروف ولا كإحاطة الكل بالجزء تعالى عن ذلك علوا كبيرا ا هـ كما لا يخفى على منصف ومما هو جار أيضا على ذلك بل أقبح منه قول القائل مكانه تعالى محيط بالعالم بذاته لا بصفاته كالعلم والقدرة إذ هو ظاهر في أن ذاته تعالى التي هي مكانه محيط بالعالم إحاطة الظرف بالمظروف أو الكل بالجزء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فتحصل أن في موهم ما يستحيل في حقه تعالى ثلاث قواعد :

( الأولى ) أن كل ما ورد الإذن بإطلاقه نفسه في كتاب أو سنة صحيحة كاستئناف القدرة أو الإرادة في الدعاء الأول والثاني جاز إطلاقه عليه تعالى مع حمله على ما يليق بجلاله تعالى بقرينة استحالة معناه .

( والثانية ) أن كل ما ورد الإذن بنظيره في كتاب أو سنة صحيحة ولم يرد [ ص: 297 ] به نفسه كاستئناف العلم في الدعاء الثالث فهو حرام وليس بكفر .

( والثالث ) أن كل ما لم يرد الإذن به ولا بنظيره في كتاب ولا سنة صحيحة كقول بعض الصوفية والفلاسفة إن الله تعالى هو الوجود المطلق ولا وجود لغيره ، وإنما له تعلق بالوجود وهو الله تعالى فهو كفر فهذه الأدعية التي في الأقسام الستة كلها أدعية محرمة إما كبيرة أو صغيرة إن تكررت صارت كبيرة وفسقا باتفاق الأصل وابن الشاط والستة الباقية من الاثني عشر أقسام الدعاء المحرم الذي ليس بكفر التي استقرأها الأصل لم يسلم ابن الشاط ما ادعاه الأصل في وجه تحريمها ، وقال والعاقل الحريص على دينه أول ما يسعى في تحصيل السلام والخلوص من المهالك وحينئذ يطلب الأرباح فهذا ما حضرني من الأدعية المنهي عنها المحرمة وما عداها ليس بمحرم عملا بالاستقراء وهذا الفرق ، وهذه الأقسام قل أن توجد في الكتب مع التصريح بها على هذا الوجه بل الموجود في بعضها كلمات يسيرة مشيرة إليها فتأمله وألحق ما تجده بنظيره فينضبط لك المباح من غيره انتهى .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( وصل ) في بيان وجه تحريم الأقسام الستة الباقية الذي ادعاه الأصل وبيان ما تعقبه به ابن الشاط :

( القسم الأول ) أن يطلب الداعي من الله تعالى المستحيلات العقلية التي لا تخل بجلال الربوبية كأن يطلب من الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد ليكون مطلعا على أحوال الإقليمين أو يطلب منه تعالى الاستغناء في ذاته عن الأعراض ليسلم طول عمره من الآلام والأسقام والأنكاد والمخاوف وغير ذلك من البلايا فهذا أيضا من المستحيل عقلا لكن عند من لا يجوز العرو عن الأعراض لا عند من يجوزه فافهم ادعى الأصل تحريمه مطلقا نظرا لكونه سوء أدب على الله تعالى من جهة أن الملوك لا يطلب منهم إلا ما يعلم أنه في قدرتهم وإلا فقد عرضهم للعجز لا سيما والعبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه لئلا يكون متهكما بالربوبية ا هـ ، وتعقبه ابن الشاط بأن ما قاله من تحريم الدعاء بالكون في مكانين في زمن واحد وأن العبد مأمور أن لا يطلب إلا ما يتصور وقوعه وأنه يلزم من طلب ما لا يتصور وقوعه التهكم بالربوبية لا وجه لشيء من ذلك إلا القياس على الملوك وهو فاسد لجواز العجز عليهم وامتناعه عليه تعالى . قال وما باله يقيسه تعالى عليهم في قصد التعجيز والتهكم ولا يقيسه عليهم في قصد المبالغة والغلو في التعظيم والتفخيم فقد خوطب الملوك بنسبة المستحيلات العقلية والعادية إليهم على وجه الغلو في ترفيقهم لا على قصد تعجيزهم بل لقائل أن يقول من خاطب الله تعالى بمثل ذلك تعين إما أن يكون قاصدا للمبالغة في التعظيم كما هو الواجب في حقه فيكون مطيعا مأجورا لا حرج عليه وإما أن يكون قاصدا للتعجيز فيكون عاصيا وإما أن يكون غير قاصد لهذا ولا لهذا فيكون مطيعا بصورة الدعاء مثابا عليه غير مطيع ولا عاص بالقصد لعروه عنه ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث