الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما ذكر الناظم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه تارة يكون فرض عين ، وتارة فرض كفاية ، وبين من ينكر عليه وما ينكر شرعا ومن ينكر كما قدمنا بيانه ، أعقب ذلك بكيفية الإنكار فقال :

مطلب : يجب على الآمر بالمعروف أن يبدأ بالرفق .

وبالأسهل ابدأ ثم زد قدر حاجة فإن لم يزل بالنافذ الأمر فاصدد ( وبالأسهل ) أي الألين من السهل ضد الحزن ( ابدأ ) أيها الآمر الناهي لتفوز بفضيلة ما قمت به وفضيلة الاتباع في سهولة الأخلاق والانطباع فإن الإنسان ينفعل للرفق ما لا ينفعل للعنف ، يعني أنه يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يبدأ بالرفق ولين الجانب ، سواء كان المنكر عليه مسلما أو ذميا .

قال في الآداب : وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعا رفيقا فيما يدعو إليه ، رحيما شفيقا غير فظ ولا غليظ القلب ولا متعنت ، دينا نزها عفيفا ذا رأي وحزامة وشدة في الدين ، كما تقدم في كلام الناظم في قوله الفتى الجلد ، قاصدا بذلك وجه الله عز وجل وإقامة دينه ونصرة شرعه وامتثال أمره ، وإحياء سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة ، غير منافس ولا مفاخر ، ولا ممن يخالف قوله فعله [ ص: 241 ] ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق وطلاقة الوجه وحسن الخلق عند إنكاره ، والتثبت والمسامحة بالهفوة عند أول مرة .

قال سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنه : الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق الآمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل معلن بالفسق فقد وجب عليك نهيه وإعلامه لأنه يقال : ليس لفاسق حرمة ، فهؤلاء لا حرمة لهم . وسأله مهنا هل يستقيم أن يكون ضربا باليد إذا أمر بالمعروف ؟ قال الرفق . ونقل يعقوب أنه سئل عن الأمر بالمعروف ، قال كان أصحاب ابن مسعود يقولون مهلا رحمكم الله . ونقل مهنا : ينبغي أن يأمر بالرفق والخضوع . قلت كيف ؟ قال إن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيريد أن ينتصر لنفسه .

قال القاضي : ويجب أن يبدأ بالأسهل ، وعبر بعضهم كالناظم ، ويبدأ بإسقاط ويجب ويعمل بظنه في ذلك ( ثم ) إن لم يزل المنكر الواجب إنكاره ( زد ) على الأسهل بأن تغلظ له القول ( قدر ) أي بقدر ( حاجة ) إزالته ، فإن لم ينفع أغلظ فيه بالزجر والتهديد ، فإن زال فقد حصل المقصود الذي هو إقامة الدين ، ونصرة الشرع المبين ، وزوال المنكر والشين ، وإحياء سنة سيد المرسلين ( فإن لم يزل ) المنكر بذلك كله فاستعن على إزالته ( بالنافذ ) أي الماضي ( الأمر ) يقال أنفذ الأمر قضاه وهو بالذال المعجمة . والنافذ الماضي في جميع أموره كالنفوذ والنفاذ والمطاع من الأمر . وقوله ( فاصدد ) أي فأعرض وأصرف . فيحتمل أنه أراد فأعرض عن ذلك وارفعه لنافذ الأمر وهو بعيد ، والأقرب أنه أراد فاصدده أي امنعه واصرفه بنافذ الأمر الذي هو السلطان أو نائبه .

قال في الآداب : فإن زال وإلا رفعه إلى ولي الأمر ابتداء إن أمن حيفه فيه ، لكن يكره وقد صرح الأصحاب رضوان الله عليهم أن شرط رفعه إلى ولي الأمر أن يأمن حيفه فيه ، ويكون قصده في ذلك النصح لا الغلبة .

وفي نهاية المبتدئين يفعل فيه يعني السلطان ما يجب أو يستحب لا غير ، وظاهره يحرم إن فعل به محرما من أخذ مال ونحوه ، ويكره إن فعل به مكروها . [ ص: 242 ] قال ابن مفلح في آدابه : ويحرم أخذ مال على حد أو منكر ارتكب .

ونقل الشيخ تقي الدين فيه الإجماع أن تعطيل الحق بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز ، ولأنه مال سحت خبيث ، ولقد { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش وهو الواسطة } ، انتهى . وأطلق بعضهم جواز رفعه إلى ولي الأمر بلا تفصيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية