الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة التاسعة : إنما وهم من زعم أن المراد بالآية أهل الكتاب ، لأجل قوله في أول الآية : { يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل } يعني من أهل الكتاب ، فرجع قوله : { والذين يكنزون الذهب والفضة } إليهم .

وهذا لا يصح من وجهين : أحدهما : أن أول الكلام وخصوصه لا يؤثر في آخر الكلام وعمومه ، لا سيما إذا كان مستقلا [ بنفسه ] .

[ ص: 492 ] الثاني : أن هذا إنما كان يظهر لو قال : ويكنزون الذهب والفضة .

أما وقد قال : والذين يكنزون الذهب والفضة ، فقد استأنف معنى آخر يبين أنه عطف جملة على جملة ، لا وصفا لجملة على وصف لها .

ويعضد ذلك الحديث الصحيح ، رواه البخاري وغيره أن الأحنف بن قيس قال : جلست إلى ملأ من قريش ، فجاء رجل أخشن الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام فسلم عليهم ، ثم قال : " بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل " . ثم ولى فجلس إلى سارية ، وجلست إليه ، ولا أدري من هو ، فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت لهم . قال : إنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي . قلت : من خليلك ؟ قال : النبي صلى الله عليه وسلم : { يا أبا ذر ; أتبصر أحدا ؟ فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار ، وأنا أرى رسول الله يرسلني في حاجة له . قلت : نعم . قال لي : ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله ، إلا ثلاثة دنانير ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون للدنيا ، والله لا أسألهم دنيا ، ولا أستفتيهم عن دين ، حتى ألقى الله } .

قال القاضي : الحلمة : طرف الثدي ، والنغض ، بارز عظم الكتف المحدد .

ورواية أبي ذر لهذا الحديث صحيحة ، وتأويله غير صحيح ، فإن أبا ذر حمله على كل جامع للمال محتجز له ، وإنما المراد به من احتجنه واكتنزه عن الزكاة .

والدليل عليه أمران : أحدهما : ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال : من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان ، يطوفه يوم القيامة ، يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه يقول : أنا مالك ، أنا كنزك . ثم قرأ : { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله } . وقد تقدم بيانه .

[ ص: 493 ] قال القاضي : قوله : ما لم تؤد زكاته ، يريد أو حق يتعلق به ، كفك الأسير ، وحق الجائع ، والعطشان .

وقد بينا أن الحقوق العارضة كالحقوق الأصلية .

وقوله : مثل له ماله شجاعا يعني حية .

وهذا تمثيل حقيقة ; لأن الشجاع جسم والمال جسم ، فتغير الصفات والجسمية واحدة ، بخلاف قوله : يؤتى بالموت فإن تلك طريقة أخرى .

وإنما خص الشجاع ; لأنه العدو الثاني للخلق .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : { ما سالمناهن منذ حاربناهن } .

وقوله : أقرع ، يعني الذي ابيض رأسه من السم .

والزبيبتان : زبدتان في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام ، قالت أم غيلان بنت جرير : ربما أنشدت أبي حتى تزبب شدقاي . ضرب مثلا للشجاع الذي يتمثل كهيئة المال ، فيلقى صاحبه غضبان . وقال ابن دريد : هما نقطتان سوداوان فوق عينيه . وقيل : هو الشجاع الذي كثر سمه حتى ظهر على شدقيه منه كهيئة الزبيبتين .

وكتب أهل الحديث شجاع بغير ألف بعد العين .

وذكر بعض العلماء أن أهل الكوفة كتبوه بغير ألف ، وقرءوه منصوبا لئلا يشكل بالممدود ، وكذلك نظراؤه .

واللهزمة : الشدقان . وفي رواية : يأخذ بلهزمتيه . وقيل : هما في أصل الحنك .

وفي حديث آخر : { إنه يمثل له ماله شجاعا يتبعه فيضطره فيعطيه يده فيقضمها كما يقضم الفحل } .

فأما حبسه ليده فلأنه شح بالمال وقبض بها عليه ، وأما أخذه بفمه فلأنه أكله ، وأما خروجه من حلمة ثديه إلى نغض كتفه فلتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا ; فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث