الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون

[ ص: 573 ] ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون

معطوف على قوله وقد كان فريق منهم يسمعون عطف الحال على الحال ، ومنهم خبر مقدم وتقديمه للتشويق إلى المسند إليه كما تقدم في قوله تعالى ومن الناس من يقول . والمعنى كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم محرفين ، وفريق جهلة وإذا انتفى إيمان أهل العلم منهم المظنون بهم تطلب الحق المنجي والاهتداء إلى التفرقة بينه وبين الباطل فكانوا يحرفون الدين ويكابرون فيما يسمعون من معجزة القرآن في الإخبار عن أسرار دينهم فكيف تطمعون أيضا في إيمان الفريق الأميين الذين هم أبعد عن معرفة الحق وألهى عن تطلبه وأضل في التفرقة بين الحق والباطل وأجدر بالاقتداء بأئمتهم وعلمائهم فالفريق الأول هم الماضون .

وعلى هذا فجملة ومنهم أميون معطوفة على جملة وقد كان فريق منهم إلخ باعتبار كونها معادلا لها من جهة ما تضمنته من كونها حالة فريق منهم وهذه حالة فريق آخر . وأما قوله وإذا لقوا وقوله وإذا خلا فتلك معطوفات على جملة وقد كان فريق عطف الحال على الحال أيضا لكن باعتبار ما تضمنته الجملة الأولى من قوله يسمعون الذي هو حال من أحوال اليهود وبهذا لا يجيء في جملة ومنهم أميون التخيير المبني على الخلاف في عطف الأشياء المتعددة بعضها على بعض هل يجعل الأخير معطوفا على ما قبله من المعطوفات أو معطوفا على المعمول الأول لأن ذلك إذا كان مرجع العطف جهة واحدة وهنا قد اختلفت الجهة .

والأمي من لا يعرف القراءة والكتابة والأظهر أنه منسوب إلى الأمة بمعنى عامة الناس فهو يرادف العامي ، وقيل منسوب إلى الأم وهي الوالدة أي أنه بقي على الحال التي كان عليها مدة حضانة أمه إياه فلم يكتسب علما جديدا ولا يعكر عليه أنه لو كان كذلك لكان الوجه في النسب أن يقولوا أمهي بناء على أن النسب يرد الكلمات إلى أصولها . وقد قالوا في جمع الأم أمهات فردوا المفرد إلى أصله فدلوا على أن أصل أم أمهة لأن الأسماء إذا نقلت من حالة الاشتقاق إلى جعلها أعلاما قد يقع فيها تغيير لأصلها .

وقد اشتهر اليهود عند العرب بوصف أهل الكتاب فلذلك قيل هنا ومنهم أميون أي ليس جميعهم أهل كتاب .

ولم تكن الأمية في العرب وصف ذم لكنها عند اليهود وصف ذم كما أشار إليه قوله تعالى ذلك بأنهم [ ص: 574 ] قالوا ليس علينا في الأميين سبيل وقال ابن صياد للنبي - صلى الله عليه وسلم - ( أشهد أنك رسول الأميين ) وذلك لما تقتضيه الأمية من قلة المعرفة ومن أجل ذلك كانت الأمية معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان أعلم الناس مع كونه نشأ أميا قبل النبوءة . وقد قال أبو الوليد الباجي : إن الله علم نبيه القراءة والكتابة بعد تحقق معجزة الأمية بأن يطلعه على ما يعرف به ذلك عند الحاجة استنادا لحديث البخاري في صلح الحديبية وأيده جماعة من العلماء في هذا ، وأنكر عليه أكثرهم مما هو مبسوط في ترجمته من كتاب المدارك لعياض ، وما أراد إلا إظهار رأيه .

والكتاب إما بمعنى التوراة اسم للمكتوب وإما مصدر كتب أي لا يعلمون الكتابة ويبعده قوله بعده إلا أماني فعلى الوجه الأول يكون قوله لا يعلمون الكتاب أثرا من آثار الأمية أي لا يعلمون التوراة إلا علما مختلطا حاصلا مما يسمعونه ولا يتقنونه ، وعلى الوجه الثاني تكون الجملة وصفا كاشفا لمعنى الأميين كقول أوس بن حجر :

الألمعي الذي يظن بك الظ ن كأن قد رأى وقد سمعا

والأماني بالتشديد جمع أمنية على وزن أفاعيل وقد جاء بالتخفيف فهو جمع على وزن أفاعل عند الأخفش كما جمع مفتاح على مفاتح ومفاتيح . والأمنية كأثفية وأضحية أفعولة كالأعجوبة والأضحوكة والأكذوبة والأغلوطة ، والأماني كالأعاجيب والأضاحيك والأكاذيب والأغاليط ، مشتقة من منى كرمى بمعنى قدر الأمر ولذلك قيل تمنى بمعنى تكلف تقدير حصول شيء متعذر أو متعسر ، ومناه أي جعله مانيا أي مقدرا كناية عن الوعد الكاذب لأنه ينقل الموعود من تقدير حصول الشيء اليوم إلى تقدير حصوله غدا ، وهكذا كما قال كعب بن زهير :


فلا يغرنك ما منت وما وعدت     إن الأماني والأحلام تضليل

ولأن الكاذب ما كذب إلا لأنه يتمنى أن يكون ما في نفس الأمر موافقا لخبره فمن أجل ذلك حدثت العلاقة بين الكذب والتمني فاستعملت الأمنية في الأكذوبة ، فالأماني هي التقادير النفسية أي الاعتقادات التي يحسبها صاحبها حقا وليست بحق أو هي الفعال التي يحسبها العامة من الدين وليست منه ؛ بل ينسون الدين ويحفظونها ، وهذا دأب الأمم الضالة عن شرعها أن تعتقد مالها من العوائد والرسوم والمواسم شرعا ، أو هي التقادير التي وضعها الأحبار [ ص: 575 ] موضع الوحي الإلهي إما زيادة عليه حتى أنستهم الأصل وإما تضليلا وهذا أظهر الوجوه . وقيل الأماني هنا الأكاذيب أي ما وضعه لهم الذين حرفوا الدين . وقد قيل الأماني القراءة أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظونها ويدرسونها لا يفقهون منها معنى كما هو عادة الأمم الضالة إذ تقتصر من الكتب على السرد دون فهم وأنشدوا على ذلك قول حسان في رثاء عثمان - رضي الله عنه - .

تمنى كتاب الله أول ليله     وآخره لاقى حمام المقادر

أي قرأ القرآن في أول الليل الذي قتل في آخره ، وعندي أن الأماني هنا التمنيات وذلك نهاية في وصفهم بالجهل المركب أي هم يزعمون أنهم يعلمون الكتاب وهم أميون لا يعلمونه ولكنهم يدعون ذلك لأنهم تمنوا أن يكونوا علماء فلما لم ينالوا العلم ادعوه باطلا فإن غير العالم إذا اتهم بميسم العلماء دل ذلك على أنه يتمنى لو كان عالما . وكيفما كان المراد فالاستثناء منقطع لأن واحدا من هاته المعاني ليس من علم الكتاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث