الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات

جزء التالي صفحة
السابق

( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون )

احتج تعالى على أهل الكتاب بقوله : ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق ) وقوله : ( الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) أي : وإذا كان الأمر كذلك فكل ما يأتي به عن الله فهو حق ، فما بالهم يشاغبون في مسألة القبلة من الأحكام الفرعية خاصة ؟ فالكلام من قبيل إقامة الدليل بعد إيراد الدعوى وليس اعتراضيا كما توهم بعضهم ، ثم جاء بحجة أخرى على أهل الكتاب وغيرهم ترغم أنوف المعارضين ، وختم بعدها الأمر بتولية الوجوه نحو المسجد الحرام وتأكيده فقال : ( ولكل وجهة هو موليها ) وقرأ ابن عامر ( مولاها ) أي : لكل أمة من الأمم وجهة توليها في صلاتها ، فلم تكن جهة من الجهات قبلة في كل ملة بحيث تعد ركنا ثابتا في الدين المطلق كتوحيد الله تعالى والإيمان بالبعث والجزاء ، فإبراهيم وإسماعيل كانا يوليان الكعبة ، وكان بنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس ، وترك النصارى ذلك إلى استقبال المشرق ، وكان الأنبياء المتقدمون يستقبلون جهات أخرى ، فإذا كان الأمر كذلك ولم تكن جهة معينة ركنا ثابتا في الأديان فأية شبهة من العقل أو من تقاليد الملل على فتنة المشاغبين في أمر القبلة ، وأي وجه لما أظهروه من الشبهة والحيرة ، وزجوا أنفسهم فيه من [ ص: 19 ] الغمة ، حتى جعلوه مسوغا للطعن في النبوة والتشريع ؟ وسيأتي إيضاح لهذه الحجة في تفسير قوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) ( 2 : 177 ) إلخ .

وإذا لم تكن مسألة القبلة المعينة من أصول الدين ولا من مخه وجوهره الذي لا يتغير ; بل كانت ولا تزال من الفروع التي تختلف باختلاف حال الأمم ، فالواجب فيها الاتباع المحض والتسليم لأمر الوحي ، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس كما هو الشأن في أمثالها من الفروع المأخوذة بالتسليم ; كعدد الركعات ، وكون الركوع مرة والسجود مرتين في كل ركعة فكيف وقد ظهرت ؟

( فاستبقوا الخيرات ) أي : ابتدروا كل نوع من أنواع الخير بالعمل ، وليحرص كل منكم على سبق غيره إليه باتباع الإمام المرشد لا باتباع الهوى ، وهذا الأمر عام موجه إلى أمة الدعوة لا خاص بالمؤمنين المستجيبين لله والرسول ( أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) ذكر الجزاء يوم البعث بعد الأمر باستباق الخيرات ليفيد أن الجزاء إنما يكون على فعل الخيرات أو تركها ، لا على الكون في بلد كذا أو جهة كذا ; أي : ففي أية جهة وأي مكان تقيمون فالله تعالى يأتي بكم ويجمعكم ليوم الحساب ; إذ البلاد والجهات لا شأن لها في أمر الدين لذاتها وإنما الشأن لعمل البر واستباق الخيرات ( إن الله على كل شيء قدير ) فلا يعجزه الإتيان بالناس مهما بعدت بينهم المسافات ، وتناءت بهم الديار والجهات ، فالتصريح بالقدرة تذكير بالدليل على الدعوى ، والأمر بالخيرات هنا بعد بيان اختلاف الملل في القبلة إجمال يفصله ذكر أنواع البر في آية ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) المشار إليها آنفا وستأتي ، كأنه يقول للفاتنين والمفتونين في مسألة القبلة : إن مخ الدين وجوهره هو في المسارعة إلى الخيرات ، فهل رأيتم محمدا وأتباعه قصروا عن غيرهم في ذلك أم هم السابقون إلى كل مكرمة ، والمسارعون إلى كل مبرة ، المتصفون بكل فضيلة ؟ ففي الكلام مع بيان روح الدين ومقصده تعريض بأهل الكتاب الذين تركوا فضائل الدين وقصروا في عمل الخير والبر ، واكتفوا من علم الدين بالجدل والمراء ، واستنباط الشبه للطعن في العاملين ، إذ لم يكونوا من المجادلين المشاغبين ، ثم ترك المسلمون فضائل سلفهم ، واتبعوا سننهم في بدعهم ، وجدلهم حتى صاروا حجة على دينهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث