الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الرابع والعشرون قال الله تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 32 ] الحديث الرابع والعشرون . عن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم : أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . رواه مسلم . [ ص: 33 ]

التالي السابق


[ ص: 33 ] هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن زيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ، وفي آخره : قال سعيد بن عبد العزيز : كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه . وخرجه مسلم أيضا من رواية قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسقه بلفظه ، ولكنه قال : وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس ، وحديث أبي إدريس أتم . وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، من رواية شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديت ، فسلوني الهدى أهدكم ، وكلكم فقير إلا من أغنيت فسلوني أرزقكم ، وكلكم مذنب إلا من عافيت ، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني ، غفرت له ولا أبالي ، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة ، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم ، اجتمعوا في صعيد واحد ، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل منكم ، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر ، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ، ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد ، عطائي كلام ، وعذابي كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن فيكون وهذا لفظ الترمذي ، وقال : حديث حسن . وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن إسناده ضعيف . [ ص: 34 ] وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد : هو أشرف حديث لأهل الشام . فقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " يعني : أنه منع نفسه من الظلم لعباده ، كما قال عز وجل : وما أنا بظلام للعبيد [ ق : 29 ] ، وقال : وما الله يريد ظلما للعباد [ غافر 31 ] ، وقال وما الله يريد ظلما للعالمين [ آل عمران : 108 ] ، وقال وما ربك بظلام للعبيد [ فصلت : 46 ] ، وقال : إن الله لا يظلم الناس شيئا [ يونس : 44 ] ، وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة [ النساء : 40 ] ، وقال : [ ص: 35 ] ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [ طه : 112 ] ، والهضم : أن ينقص من جزاء حسناته ، والظلم : أن يعاقب بذنوب غيره ، ومثل هذا كثير في القرآن . وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ، ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده . وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير موضعها . وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنهم يقولون : إن الظلم مستحيل عليه ، وغيره متصور في حقه ، لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه ، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين حين سأله عن القدر . وخرج أبو داود ، وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان ، عن وهب بن خالد الحمصي ، عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول : لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم ، لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، وأنه أتى ابن مسعود ، فقال له مثل ذلك ، ثم أتى زيد بن ثابت ، فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك . وفي هذا الحديث نظر ، ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم . وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم ، لقدر لهم ما يعذبهم عليه ، فيكون غير ظالم لهم حينئذ . [ ص: 36 ] وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى ، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد ، وهي خلقه وتقديره ، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده ، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته ، وهو لا يوصف بشيء منها ، إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم . وقوله " وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا " يعني : أنه تعالى حرم الظلم على عباده ، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم ، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره ، مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا ، وهو نوعان : أحدهما : ظلم النفس ، وأعظمه الشرك ، كما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : 13 ] ، فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق ، فعبده وتألهه ، فهو وضع الأشياء في غير موضعها ، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين إنما أريد به المشركون ، كما قال عز وجل : والكافرون هم الظالمون [ البقرة : 254 ] ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر . والثاني : ظلم العبد لغيره ، وهو المذكور في هذا الحديث ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر من يوم عرفة ، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق ، وفي رواية : ثم قال : " اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ، ألا لا تظلموا ؛ إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه " . وفي " الصحيحين " عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الظلم ظلمات يوم القيامة . وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : 102 ] . وفي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كانت عنده مظلمة لأخيه ، فليتحلله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث