الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه

( القسم الثالث ) الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة : الأول أن يقول { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } مع أن رسول الله قد قال { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } فقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طالبا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب على الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه ولو أن أحدنا سأل بعض الملوك أمرا فقضاه له ، ثم سأله إياه بعد ذلك عالما بقضائه له لعد هذا الطلب الثاني استهزاء بالملك وتلاعبا به ولحسن من ذلك الملك تأديبه فأولى أن يستحق التأديب إذا فعل ذلك مع الله تعالى [ ص: 275 ]

ولو رأينا رجلا يقول اللهم افرض علينا الصلاة وأوجب علينا الزكاة واجعل السماء فوقنا والأرض تحتنا لبادرنا إلى الإنكار عليه لقبح ما صدر منه من التلاعب والاستهزاء في دعائه إلا أن يريد الداعي بقوله إن نسينا أي تركناه مع متعمد كقوله تعالى { اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } وقوله تعالى { نسوا الله فنسيهم } أي تركوا طاعته فترك الله الإحسان إليهم فهذا يجوز لأنه طلب العفو عما لم يعلم العفو فيه أما النسيان الذي هو الترك مع غفلة الذي هو مشتهر في العرف لا يجوز طلب العفو فيه ؛ لأن طلب العفو فيه وعنه قد علم بالنص والإجماع [ ص: 276 ]

وكذلك إذا أراد بقوله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به أي من البلايا والرزايا والمكروهات جاز له ؛ لأنه لم تدل النصوص على نفي ذلك بخلاف التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فيقتضي طلب رفع ذلك ، فإن أطلق العموم من غير تخصيص لا بالنية ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك حراما ؛ لأن فيه طلب تحصيل الحاصل ، فإن قلت فقد قال تعالى حكاية عن قوم في سياق المدح { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } ووعد الله سبحانه لا بد من وقوعه فقد طلب تحصيل الحاصل وهو عين ما نحن فيه ومدحهم الله تعالى فدل على جواز ذلك وأنت تمنعه قلت إنما جاز لهم سؤال ما وعدهم الله به ؛ لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإيمان .

وهذا شرط مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فما طلبوا إلا مشكوكا في حصوله لا معلوم الحصول ، وأما ما نحن فيه فليس فيه شرط مجهول بل علم من الشريعة بالضرورة ترك المؤاخذة بالخطإ والنسيان مطلقا ، فإن قلت فإذا جوزت [ ص: 277 ] ذلك بناء على الجهالة بالشروط فيجوزه هاهنا بناء على الجهالة بالشرط فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبر بذلك مطلقا ، وإنما أخبر بالرفع عن أمته وكون الداعي يموت وهو من أمته مجهول فما طلب إلا مجهولا بناء على التقرير المتقدم .

قلت كونه من الأمة ليس شرطا في هذا الرفع ودلالة الخبر على ذلك إنما هي من جهة المفهوم ونحن نمنع كون المفهوم حجة لاختلاف العلماء فيه سلمنا أنه حجة لكنه متروك هاهنا إجماعا وتقريره أن نقول الكفار إما أن نقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة أو لا ، فإن قلنا إنهم ليسوا مخاطبين بها فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع النسيان وغيره فبطل المفهوم واستوت الخلائق في الرفع حينئذ وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع فلا يكون قد شرع في حقهم ما ليس سببا في حقنا بل كل ما هو سبب الوجوب في حقنا هو سبب الوجوب في حقهم ، وما هو سبب التحريم في حقنا هو سبب التحريم في حقهم ، وما هو سبب الترخيص والإباحة في حقنا هو كذلك في حقهم فعلى هذا التقدير لا يكون خصوص الأمة شرطا في الرفع ولم يقل أحد إن الكفار في الفروع أشد حالا من الأمة فظهر أن هذا المفهوم باطل اتفاقا فليس هناك في النسيان والخطإ شرط مجهول فيكون الشارع [ ص: 278 ] قد أخبر بالرفع في هذه الأمور مطلقا فيحرم الدعاء به .

( المثال الثاني ) أن يقول الداعي ربنا لا تهلك هذه الأمة المحمدية بالخسف العام والريح العاصفة كما هلك من قبلنا ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسلم وغيره من الصحاح أنه سأل ربه في إعفاء أمته من ذلك فأجابه فيكون طلب ذلك معصية كما تقدم .

( الثالث ) أن يقول اللهم لا تسلط على هذه الأمة من يستأصلها ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحاح بأنه { لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة } فيكون الدعاء بذلك معصية لما مر .

( الرابع ) أن يقول الداعي لمريض أو مصاب اللهم اجعل له هذه المرضة أو هذه المصيبة كفارة فقد دلت النصوص على أن المصائب كفارات لأهلها ، وقد تقدم بيان أن السخط لا يخل بذلك التكفير بل يجدد ذنبا آخر كمن قضى دينه ، ثم استدان لا يقال إنه لم تبرأ ذمته من الدين الأول ، وكذلك المصاب بريء من عهدة الذنب الأول وإن كان قد جدد ذنبا آخر بسخطه فيكون هذا الدعاء معصية بل يقول [ ص: 279 ] اللهم عظم له الكفارة ، فإن قلت إن الله تعالى قد أخبر عن قوم في الدار الآخرة بأنهم يقولون { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار لقوله تعالى { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } ، وقد وردت الأحاديث أن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا يدخل النار وما علمت في هذا خلافا بين العلماء فيكون دعاؤهم بتحصيل الحاصل ولم يذكر الله تعالى ذلك في سياق الذم لهم مع أنهم سمعوا تلك النصوص في الدنيا وعلموا أن من سلم من النار في أول أمره لا يدخلها بعد ذلك قلت قال المفسرون هؤلاء أصحاب الأعراف وهم على خوف من سوء العاقبة ، وأهوال القيامة توجب الدهش عن المعلومات فقد قيل للرسل عليهم السلام { ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } لاستيلاء الخوف من الله على قلوبهم من جهة هول المنظر كذلك هؤلاء مع أن هؤلاء ليسوا مكلفين ولا ذم إلا مع التكليف .

الخامس أن يقول اللهم لا تغفر لفلان الكافر ، وقد دل السمع على أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به فهذا محرم ؛ لأنه من باب [ ص: 280 ] تحصيل الحاصل وقلة الأدب بخلاف اللهم اغفر له فإنه كفر ؛ لأنه من باب تكذيب السمع القاطع

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( القسم الثالث الذي ليس بكفر وهو محرم أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة : الأول أن يقول ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه } فقد دل هذا الحديث على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد فيكون طلبها من الله تعالى طلبا لتحصيل الحاصل فيكون سوء أدب مع الله تعالى لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه ولو أن أحدنا سأل بعض الملوك أمرا فقضاه له . ثم سأله إياه بعد ذلك عالما بقضائه له لعد هذا الطلب الثاني استهزاء بالملك وتلاعبا به ولحسن من ذلك الملك تأديبه فأولى أن يستحق الأدب إذا فعل ذلك مع الله تعالى )

قلت لم يأت بحجة على ما ادعاه غير ما عول عليه من القياس على المملوك وهو قياس لا يصح لعدم الجامع ، وكيف يقاس الخالق بالمخلوق والرب بالمربوب والخالق يستحيل عليه النقص والمخلوق يجوز عليه النقص ، ثم ما قاله من أن طلب تحصيل الحاصل عري عن الحاجة ممنوع لجواز حمله على طلب مثله أو الإجابة بإعطاء العوض عنه في الدنيا أو في الآخرة ولم لا يكون الدعاء بما ذكره ، وما أشبه مما يمتنع ويتعذر عقلا وعادة متنوعا بحسب الداعي به .

فإن كان غافلا عن تعذره فلا [ ص: 275 ] بأس عليه لما ثبت من رفع الحرج عن الغافل وإذا كان غير غافل ، فإن كان قاصدا لطلب ذلك المتعذر بعينه فلا مانع أن يعوضه الله تعالى .

وإن لم يقصد للعوض كما إذا طلب غير المتعذر وكان مما علم الله تعالى أنه لا يقع جزاء له على لجئه إلى الله تعالى وابتهاله إلى عظيم كماله وجلاله ، وإن كان قاصدا للتلاعب والاستهزاء أو التعجيز أو ما أشبه ذلك فهاهنا يكون عاصيا بسبب قصده ذلك لا بمجرد دعائه بالمتعذر كما هو مقتضى كلام الشهاب في هذه الأبواب والله تعالى أعلم . قال ( ولو رأينا رجلا يقول اللهم افرض علينا الصلاة وأوجب علينا الزكاة واجعل السماء فوقنا والأرض تحتنا لبادرنا إلى الإنكار عليه لقبح ما صدر منه من التلاعب والاستهزاء في دعائه ) قلت إنما ذلك الإنكار مبني على سوء أحواله به وكون العادة جارية بسبق ذلك إلى نفس السامع لذلك الدعاء ، ولا يلزم من كون العادة جارية بسبق الظن السيء بذلك الداعي أن تكون حاله في دعائه ذلك موافقة لذلك الظن بل إن كانت حاله في دعائه ذلك موافقة لذلك الظن كان عاصيا وإلا فلا . قال ( إلا أن يريد الداعي بقوله إن نسينا أي تركناه مع التعمد كقوله تعالى { اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } وقوله تعالى { نسوا الله فنسيهم } أي تركوا طاعته فترك الله الإحسان إليهم فهذا يجوز لأنه طلب العفو عما لم يعلم العفو فيه ) قلت ما قاله في هذا صحيح .

قال ( أما النسيان الذي هو الترك مع الغفلة الذي هو مشتهر في العرف لا يجوز طلب العفو فيه لأن طلب العفو فيه وعنه قد علم بالنص والإجماع ) .

قلت لقائل أن يقول النسيان العرفي الذي ذكره هنا لا يخلو أن يكون مما لا تسبب فيه أو مما له فيه تسبب ، فإن كان من الأول فهو مفتقر إلى دليل على أنه ممنوع طلب العفو عنه ؛ لأن ذلك قلة أدب ، وإن كان من الثاني فلا شك [ ص: 276 ] أن طلب العفو إنما هو طلب العفو عن التسبب وطلب العفو عن ذلك طلب للعفو عما لم يعلم العفو عنه والله تعالى أعلم . قال ( وكذلك إذا أراد بقوله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به أيا من البلايا والرزايا والمكروهات جاز ؛ لأنه لم تدل النصوص على نفي ذلك ) قلت ما قاله هنا صحيح . قال ( بخلاف التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } فيقتضي طلب رفع ذلك ، فإن أطلق العموم من غير تخصيص لا بالنية ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك حراما ؛ لأن فيه طلب تحصيل الحاصل ، فإن قلت فقد قال تعالى حكاية عن قوم في سياق المدح { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } ووعد الله سبحانه لا بد من وقوعه فقد طلبوا تحصيل الحاصل وهو عين ما نحن فيه ، وقد مدحهم الله تعالى فدل على جواز ذلك وأنت تمنعه قال قلت إنما جاز لهم سؤال ما وعدهم الله به ؛ لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإيمان ، وهذا شرط مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فما طلبوا إلا مشكوكا في حصوله لا معلوم الحصول . وأما ما نحن فيه فليس فيه شرط مجهول بل علم من الشريعة بالضرورة ترك المؤاخذة الخطأ والنسيان مطلقا ، فإن قلت فإذا جوزت [ ص: 277 ] ذلك بناء على الجهالة بالشرط فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبر بذلك مطلقا ، وإنما أخبر بالرفع عن أمته ، وكون الداعي يموت وهو من أمته مجهول فما طلب إلا مجهول بناء على التقرير المتقدم . قلت كونه من الأمة ليس شرطا في هذا الرفع ودلالة الخبر على ذلك إنما هي من جهة المفهوم ونحن نمنع كون المفهوم حجة لاختلاف العلماء فيه سلمنا أنه حجة لكنه متروك هاهنا إجماعا وتقريره أن نقول الكفار إما أن نقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة أو ما هم مخاطبون بها ، فإن قلنا إنهم ليسوا مخاطبين بها فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع : النسيان وغيره ، فبطل المفهوم واستوت الخلائق في الرفع حينئذ ، وإن قلنا إنهم مخاطبون بها فلا يكون قد شرع في حقهم ما ليس سببا في حقنا بل كل ما هو سبب الوجوب في حقنا هو سبب الوجوب في حقهم ، وما هو سبب التحريم في حقنا هو سبب التحريم في حقهم ، وكذلك سبب الترخص والإباحة فعلى هذا التقدير لا يكون خصوص الأمة شرطا في الرفع ولم يقل أحد إن الكفار في الفروع أشد حالا من الأمة فظهر أن هذا المفهوم باطل اتفاقا فليس هناك في النسيان والخطإ شرط مجهول فيكون الشارع [ ص: 278 ] قد أخبر بالرفع في هذه الأمور مطلقا فيحرم الدعاء به ) .

قلت ليس ما قاله شهاب الدين في هذا الجواب وأطال فيه بصحيح ؛ لأن مساق الحديث مشعر بالمدح لهذه الأمة فيتعين لذلك اختصاصها بذلك الرفع ويلزم القول بهذا المفهوم لقرينة المدح ويكون هنا في هذا المقام شرط مجهول كما قاله السائل ويبطل جوابه والله تعالى أعلم

( المثال الثاني أن يقول الداعي ربنا لا تهلك هذه الأمة المحمدية بالخسف العام والريح العاصفة كما هلك من قبلنا ، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسلم وغيره من الصحاح أنه سأل ربه في إعفاء أمته من ذلك فأجابه فيكون طلب ذلك معصية كما تقدم ) . قلت قد تقدم أنه لم يأت على طلب تحصيل الحاصل بحجة في أنه معصية ، وكذلك جوابه فيما قال في المثال الثالث قال ( الرابع أن يقول الداعي لمريض أو مصاب اللهم اجعل له هذه المرضة أو هذه المصيبة كفارة فقد دلت النصوص على أن المصائب كفارة لأهلها ، وقد تقدم بيان أن السخط لا يخل بذلك التكفير بل يجدد ذنبا آخر كمن قضى دينه ، ثم استدان لا يقال إنه لم تبرأ ذمته من الدين الأول ، وكذلك المصاب بريء من عهدة الذنب الأول . وإن كان قد جدد ذنبا آخر بسخطه فيكون هذا الدعاء معصية بل يقول [ ص: 279 ] اللهم عظم له الكفارة ، فإن قلت إن الله تعالى قد أخبر عن قوم في الدار الآخرة بأنهم يقولون { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار لقوله تعالى { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } ، وقد وردت الأحاديث أن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا يدخل النار ، وما علمت في هذا خلافا بين العلماء فيكون دعاؤهم بتحصيل الحاصل ولم يذكر الله تعالى ذلك في سياق الذم لهم مع أنهم سمعوا تلك النصوص في الدنيا وعلموا أن من سلم من النار في أول أمره لا يدخلها بعد ذلك قلت قال المفسرون هؤلاء أصحاب الأعراف وهم على خوف من سوء العاقبة وأهوال القيامة توجب الدهش عن المعلومات فقد قيل للرسل عليهم السلام { ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } لاستيلاء الخوف من الله تعالى على قلوبهم من جهة هول المنظر ، كذلك هؤلاء مع أن هؤلاء ليسوا مكلفين ولا ذم إلا مع التكليف )

قلت على تسليم جوابه للسائل يبقى هو مطالبا بدليل المنع من مثل ذلك الدعاء ولم يأت بدليل ولا شبهة ، وكذلك جوابه في المثال الخامس ، وقد سبق الكلام على الدعاء بالغفران للكافر .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الثالث ) أن يطلب الداعي من الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه وله أمثلة : منها أن يقول { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ومنها أن يقول ربنا لا تهلك هذه الأمة المحمدية بالخسف العام والريح العاصفة كما هلك من قبلنا ، ومنها أن أن يقول اللهم لا تسلط على هذه الأمة من يستأصلها ، ومنها أن يقول في دعائه لمريض أو مصاب اللهم اجعل له هذه المرضة أو هذه المصيبة كفارة ، ومنها أن يقول اللهم لا تغفر لفلان الكافر قال الأصل فإن كل واحد من هذه الأدعية الخمسة حرام ليس بكفر لأنه من باب طلب تحصيل الحاصل .

( أما الأول ) فلأن قوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } قد دل على أن هذه الأمور مرفوعة عن العباد .

( أما الثاني ) فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر كما في الصحاح بأنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه في إعفاء أمته من ذلك فأجابه .

( أما الثالث ) فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر كما في الصحاح بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة .

( وأما الرابع ) فلأن النصوص قد دلت على أن المصائب كفارات لأهلها ، وقد تقدم بيان أن السخط لا يخل بذلك التكفير بل يجدد ذنبا آخر كمن قضى دينه ثم استدان فكما لا يقال إنه لم تبرأ ذمته من الدين الأول كذلك المصاب لا يقال أنه بسخطه لم يبرأ منها بل يقال برئ من عهدة الذنب الأول ، وإن كان قد جدد ذنبا آخر بسخطه .

( وأما الخامس ) فلأن السمع قد دل على أن الله لا يغفر أن يشرك به قال وطلب تحصيل الحاصل سوء أدب على الله تعالى ؛ لأنه طلب عري عن الحاجة والافتقار إليه تعالى إذ لو أن أحدنا سأل بعض الملوك أمرا فقضاه له ثم سأله إياه بعد ذلك عالما بقضائه له لعد هذا الطلب الثاني استهزاء بالملك وتلاعبا به ولحسن من ذلك الملك تأديبه فأولى أن يستحق التأديب إذا فعل ذلك مع الله تعالى ، ولو رأينا رجلا يقول اللهم افرض علينا الصلاة وأوجب علينا الزكاة واجعل السماء فوقنا والأرض تحتنا لبادرنا إلى الإنكار عليه لقبح ما صدر منه من التلاعب والاستهزاء في دعائه . نعم محل حرمة قول الداعي { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } وقوله { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } إن أراد النسيان الذي هو الترك مع الغفلة الذي هو مشتهر في العرف ؛ لأن طلب العفو فيه وعنه قد علم بالنصر والإجماع وأراد بما لا طاقة لنا به التكاليف الشرعية فإنها مرفوعة بقوله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } أما إن أراد النسيان الذي هو الترك مع التعمد وقوله تعالى { اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا } وقوله تعالى { نسوا الله فنسيهم } أي تركوا طاعته فترك الله الإحسان إليهم فهذا يجوز ؛ لأنه طلب العفو عما لم يعلم العفو فيه ، وكذلك إذا أراد ما لا طاقة لنا به من البلايا والرزايا والمكروهات جاز لأنه لم تدل النصوص على نفي ذلك .

وأما إن أطلق العموم من غير تخصيص لا بالنية ولا بالعادة عصى لاشتمال العموم على ما لا يجوز فيكون ذلك حراما ؛ لأن فيه طلب تحصيل الحاصل وقول الله تعالى حكاية عن قوم في سياق المدح { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } وإن كان طلب تحصيل الحاصل ؛ لأن وعد الله سبحانه لا بد من وقوعه .

وقد مدحهم الله تعالى إلا أن سؤال ما وعدهم الله به إنما جاز لهم ؛ لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإيمان وهذا شرط مشكوك فيه والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط فما طلبوا إلا مشكوكا في حصوله لا معلوم [ ص: 301 ] الحصول وما نحن فيه بالعكس ، وقد علم من الشريعة بالضرورة ترك المؤاخذة بالخطإ والنسيان مطلقا .

وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخبر بذلك مطلقا ، وإنما أخبر بالرفع عن أمته ، وأما ما يقال إن كون الداعي يموت وهو من أمته مجهول فما طلب إلا مجهولا بناء على التقرير المتقدم فلا يرد ؛ لأن كونه من الأمة ليس شرطا في هذا الرفع ودلالة الخبر على ذلك إنما هي من جهة المفهوم ونحن نمنع كون المفهوم حجة لاختلاف العلماء فيه سلمنا أنه حجة لكنه متروك هاهنا إجماعا ، وتقريره أن نقول الكفارة إما أن نقول إنهم مخاطبون بفروع الشريعة أو لا ، فإن قلنا إنهم ليسوا مخاطبين بها فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع النسيان وغيره فيبطل المفهوم واستوت الخلائق في الرفع حينئذ ، وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع فلا يكون قد شرع في حقهم ما ليس سببا في حقنا بل كل ما هو سبب الوجوب أو التحريم أو الترخيص أو الإباحة في حقنا لهو سبب ما ذكر في حقهم أيضا فعلى هذا التقدير لا يكون خصوص الأمة شرطا في الرفع ولم يقل أحد إن الكفار في الفروع أشد حالا من الأمة فظهر أن هذا المفهوم باطل اتفاقا فليس هنالك في النسيان والخطإ شرط مجهول فيكون الشارع قد أخبر بالرفع في الأمور مطلقا فيحرم الدعاء به .

وأما إخبار الله تعالى عن قوم في الدار الآخرة بأنهم يقولون { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } وهؤلاء ليسوا من أصحاب النار فيكون دعاؤهم بتحصيل الحاصل ؛ لأنه قد وردت الأحاديث بأن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا يدخل النار ولم يعلم في هذا خلاف بين العلماء وهم قد سمعوا تلك النصوص في الدنيا وعلموا أن من سلم من النار في أول أمره لا يدخلها بعد ذلك ولم يذكر الله تعالى ذلك في سياق الذم لهم ، فلا يرد على منع طلب تحصيل الحاصل لقول المفسرين إن هؤلاء أصحاب الأعراف وهم على خوف من سوء العاقبة وأهوال القيامة توجب الدهش عن المعلومات ألا ترى أن الرسل عليهم السلام لما قيل لهم { ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } لاستيلاء الخوف من الله تعالى على قلوبهم من جهة هول المنظر ، على أن هؤلاء ليسوا مكلفين ولا ذم إلا مع التكليف . ا هـ .

وتعقبه ابن الشاط بأنه لم يأت بحجة على ما ادعاه من أن طلب تحصيل الحاصل معصية إلا ما عول عليه من القياس على الملوك وهو قياس لا يصح لعدم الجامع ، وكيف يقاس الخالق بالمخلوق والرب بالمربوب والخالق يستحيل عليه النقص والمخلوق يجوز عليه النقص ، ثم ما قاله من أن طلب تحصيل الحاصل عري عن الحاجة ممنوع لجواز حمله على طلب مثله أو الإجابة بإعطاء العوض عنه في الدنيا أو في الآخرة ولم لا يكون الدعاء بما ذكره وبما أشبهه مما يمتنع ويتعذر عقلا وعادة متنوعا بحسب الداعي به فإن كان غافلا عن تعذره فلا بأس عليه لما ثبت من رفع الحرج عن الغافل وإذا كان غير غافل فإن كان قاصد الطلب ذلك المتعذر بعينه فلا مانع أن يعوضه الله تعالى .

وإن لم يقصد العوض كما إذا طلب غير المتعذر وكان مما علم الله تعالى أنه لا يقع جزاء له على لجئه إلى الله تعالى وابتهاله إلى عظيم كماله وجلاله ، وإن كان قاصدا التلاعب والاستهزاء أو أو التعجيز أو ما أشبه ذلك فهاهنا يكون عاصيا بسبب قصده ذلك وبمجرد دعائه بالمتعذر كما هو مقتضى كلام الشهاب في هذه الأبواب .

وإنكار السامع لقول الداعي اللهم افرض علينا الصلاة إلخ مبني على كون العادة جارية بسبق الظن السيء بذلك الداعي إلى نفس السامع لذلك الدعاء ولا يلزم من جريان العادة بذلك أن تكون حال الداعي في دعائه ذلك موافقة لذلك الظن بل إن كانت موافقة لذلك الظن كان عاصيا وإلا فلا . قال ولا نسلم أن النسيان العرفي الذي ذكره هنا من حيث إنه قد علم بالنص والإجماع طلب العفو فيه وعنه لا يجوز طلب العفو فيه بل لقائل أن يقول إنه لا يخلو أن يكون مما لا تسبب له فيه أو مما له فيه تسبب فإن كان من الأول فهو مفتقر إلى دليل على منع طلب العفو عنه وأن ذلك قلة أدب ، وإن كان من الثاني فلا شك أن طلب العفو حينئذ إنما هو عن التسبب ، وطلب العفو عن ذلك طلب للعفو عما لم يعلم عنه ا هـ قلت على أن الجلال السيوطي في تكملته لتفسير الجلال المحلي قال ما توضيحه من حاشية الجمل عليه إن طلب رفع المؤاخذة بالخطإ والنسيان .

وإن سلمنا أنه طلب لتحصيل الحاصل لا نسلم أنه معصية لجواز أن يكون سؤاله اعترافا بنعمة الله تعالى ا هـ قال الجمل أي فالقصد من سؤال هذا الرفع وطلبه الإقرار والاعتراف [ ص: 302 ] بهذه النعمة أي إظهارها والتحدث بها على حد { ، وأما بنعمة ربك فحدث } ا هـ وهذا مناف جميع مواطن طلب تحصيل الحاصل فافهم . قال ابن الشاط ومساق قوله صلى الله عليه وسلم { رفع عن أمتي } الحديث أي الذي رواه الطبراني وغيره مشعر بالمدح لهذه الأمة فيتعين لذلك اختصاصها بذلك الرفع ويلزم القول بهذا المفهوم لقرينة المدح ويكون هنا في هذا المقام شرط مجهول كما قاله المورد كما حكاه الله تعالى عن قوم في سياق المدح من قولهم { ربنا وآتنا ما وعدتنا } إلخ على دعوى الشهاب أن طلب تحصيل الحاصل معصية ويكون ما أطال به الشهاب في الجواب عن هذا الإيراد ليس بصحيح بل باطل وعلى تسليم جوابه عما أورد على دعواه المذكورة من إخبار الله تعالى عن أهل الأعراف في سياق مدحهم لا ذمهم بأنهم يقولون { ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } إلخ يبقى هو مطالبا بدليل المنع من مثل ذلك الدعاء ولم يأت بدليل ولا شبهة ا هـ كلام ابن الشاط بتصرف .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث