الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الرابع من المحرم الذي ليس بكفر أن يسأل الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع على ثبوته

( القسم الرابع ) من المحرم الذي ليس بكفر أن يسأل الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع على ثبوته وله أمثلة : الأول أن يقول الداعي جعل الله موت من مات لك من أولادك حجابا من النار ، وقد دل الحديث الصحيح على أن { من مات له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار } فيكون هذا الدعاء معصية ، فإن قلت قد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعو له بقوله اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الوسيلة درجة في الجنة لعبد صالح وأرجو أن أكون إياه وأن المقام المحمود هو الشفاعة ، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطيها فيلزم أحد الأمرين إما إباحة الدعاء بما هو ثابت وإما الإشكال على الإخبار على كونه عليه السلام أعطيها قلت ذكر العلماء في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أنه أعطي هذه الأمور مرتبة على دعائنا وأعلم أن دعاءنا يحصل له ذلك فحسن أمرنا بالدعاء له ؛ لأنه سبب [ ص: 281 ] هذه الأمور وحسن الإخبار بحصولها ؛ لأنه أعلم بوقوع سبب حصولها والمحرم إنما هو الدعاء بحصول شيء قد علم حصوله من غير دعائنا فاندفع الإشكال .

( الثاني ) أن يقول الداعي اللهم اجعل صوم عاشوراء يكفر لي سنة ، وقد جاء في الحديث الصحيح أن { صوم يوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة } فلا يجوز طلب شيء من ذلك .

( الثالث ) أن يقول اللهم اجعل صلواتي كفارات لما بينهن ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح { الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما } فيكون الدعاء بذلك معصية لما مر وألحق بهذه المثل نظائرها

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( القسم الرابع من المحرم الذي ليس بكفر أن يسأل الداعي من الله ثبوت أمر دل السمع على ثبوته وله أمثلة : الأول أن يقول الداعي جعل الله موت من مات لك من أولادك حجابا من النار ، وقد دل الحديث الصحيح على أن { من مات له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار } فيكون هذا الدعاء معصية قال ، فإن قلت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعو له بقولنا اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ، وقد ورد في الحديث الصحيح { أن الوسيلة درجة في الجنة لعبد صالح وأرجو أن أكون إياه وأن المقام المحمود هو الشفاعة } ، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطيها فيلزم أحد الأمرين إما إباحة الدعاء بما هو ثابت وإما الإشكال على الإخبار عن كونه عليه الصلاة والسلام أعطيها قلت ذكر العلماء في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أنه أعطي هذه الأمور مرتبة على دعائنا وأعلم أن دعاءنا يحصل له ذلك فحسن أمرنا بالدعاء له ؛ لأنه سبب [ ص: 281 ] هذه الأمور وحسن الإخبار بحصولها ؛ لأنه أعلم بوقوع سبب حصولها ، والمحرم إنما هو الدعاء بحصول شيء قد علم حصوله من غير دعائنا فاندفع الإشكال )

قلت جوابه هذا مبني على أن الدعاء بمثل ذلك من تحصيل المعلوم الحصول ممنوع وذلك هو عين دعواه من غير حجة أتى بها .

قال ( الثاني أن يقول الداعي اجعل صوم عاشوراء يكفر لي سنة ، وقد جاء في الحديث الصحيح أن { صوم يوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة } فلا يجوز طلب شيء من ذلك . الثالث أن يقول اللهم اجعل صلواتي كفارة لما بينهن ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح { الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما } فيكون الدعاء بذلك معصية لما مر )

قلت ما قاله دعوى كما سبق مع أن هذين المثالين يتجه فيهما أن يكون دعاء بتحسين عاقبته وذلك مجهول عنده .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( والقسم الرابع ) أن يسأل الداعي من الله تعالى ثبوت أمر دل السمع على ثبوته وله أمثلة : منها أن يقول جعل الله موت من مات من أولادك حجابا من النار ، ومنها أن يقول اللهم اجعل صوم عاشوراء يكفر لي سنة ، ومنها أن يقول اللهم اجعل صلواتي كفارات لما بينهن . قال الأصل : فالدعاء بهذه الأدعية الثلاثة ونظائرها معصية لما مر من أنه طلب لتحصيل الحاصل . أما الأول فلأنه قد دل الحديث الصحيح على أن { من مات له اثنان من الولد كانا حجابا له من النار } ، وأما الثاني فلأنه قد جاء في الحديث الصحيح أن { صوم يوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة } ، وأما الثالث فلأن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح { الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما } قال وأما ما يقال من أن أمره صلى الله عليه وسلم لنا بأن ندعو له بقولنا اللهم آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد مع إنه قد ورد في الحديث الصحيح أن { الوسيلة درجة في الجنة لعبد صالح وأرجو أن أكون إياه وأن المقام المحمود هو الشفاعة } ، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطيها فيلزم أحد الأمرين إما إباحة الدعاء بما هو ثابت وإما الإشكال على الإخبار عن كونه أعطيها عليه السلام فيدفعه أن العلماء ذكروا في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أنه أعطي هذه الأمور مرتبة على دعائنا وأعلم أن دعاءنا يحصل له ذلك فحسن أمرنا بالدعاء له ؛ لأنه سبب هذه الأمور وحسن الإخبار بحصولها ؛ لأنه أعلم بوقوع سبب حصولها والمحرم إنما هو الدعاء بحصول شيء قد علم حصوله من غير دعائنا . ا هـ .

وتعقبه ابن الشاط بأن جوابه هذا عما ذكر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بأن ندعو له بما ذكر مبني على أن الدعاء بمثل ذلك من تحصيل المعلوم الحصول ممنوع وذلك هو عين دعواه من غير حجة أتى بها على أنه يتجه في المثال الثاني والثالث أن يكون دعاء الداعي بها بتحسين عاقبته وذلك مجهول عنده ا هـ . قلت بل يتجه في جميع أمثلة هذا القسم كالذي قبله ما تقدم عن الجلال السيوطي أن من الدعاء بتحصيل الحاصل من قبيل التحدث بالنعمة أي أو الحمل عليه فافهم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث