الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل الاستغفار

وأما الاستغفار فهو نوعان : مفرد ، ومقرون بالتوبة ، فالمفرد : كقول نوح عليه السلام لقومه استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا وكقول صالح لقومه لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون وكقوله تعالى واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقوله : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون والمقرون كقوله تعالى استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وقول هود لقومه استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا وقول صالح لقومه هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب وقول شعيب واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود فالاستغفار المفرد كالتوبة ، بل هو التوبة بعينها ، مع تضمنه طلب المغفرة من الله ، وهو محو الذنب ، وإزالة أثره ، ووقاية شره ، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر ، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له ، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه ، فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم .

وحقيقتها وقاية شر الذنب ، ومنه المغفر ، لما يقي الرأس من الأذى ، والستر لازم [ ص: 315 ] لهذا المعنى ، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ، ولا القبع ونحوه مع ستره ، فلا بد في لفظ المغفر من الوقاية ، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإن الله لا يعذب مستغفرا ، وأما من أصر على الذنب ، وطلب من الله مغفرته ، فهذا ليس باستغفار مطلق ، ولهذا لا يمنع العذاب ، فالاستغفار يتضمن التوبة ، والتوبة تتضمن الاستغفار ، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق .

وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى ، فالاستغفار : طلب وقاية شر ما مضى ، والتوبة : الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله .

فهاهنا ذنبان : ذنب قد مضى ، فالاستغفار منه : طلب وقاية شره ، وذنب يخاف وقوعه ، فالتوبة : العزم على أن لا يفعله ، والرجوع إلى الله يتناول النوعين رجوع إليه ليقيه شر ما مضى ، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله .

وأيضا فإن المذنب بمنزلة من ركب طريقا تؤديه إلى هلاكه ، ولا توصله إلى المقصود ، فهو مأمور أن يوليها ظهره ، ويرجع إلى الطريق التي فيها نجاته ، والتي توصله إلى مقصوده ، وفيها فلاحه .

فهاهنا أمران لا بد منهما : مفارقة شيء ، والرجوع إلى غيره ، فخصت التوبة بالرجوع ، والاستغفار بالمفارقة ، وعند إفراد أحدهما يتناول الأمرين ، ولهذا جاء - والله أعلم - الأمر بهما مرتبا بقوله : استغفروا ربكم ثم توبوا إليه فإنه الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة الباطل .

وأيضا فالاستغفار من باب إزالة الضرر ، والتوبة طلب جلب المنفعة ، فالمغفرة أن يقيه شر الذنب ، والتوبة أن يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه ، وكل منهما يستلزم الآخر عند إفراده ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث