الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القران

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 518 ] باب القران ( القران أفضل من التمتع والإفراد ) [ ص: 519 ] وقال الشافعي رحمه الله : الإفراد [ ص: 520 ] أفضل . وقال مالك رحمه الله : التمتع أفضل من القران لأن له ذكرا في القرآن ولا ذكر للقران فيه . وللشافعي قوله [ ص: 521 ] عليه الصلاة والسلام { القران رخصة } ولأن في الإفراد زيادة التلبية والسفر والحلق [ ص: 522 ] ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { يا آل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا } [ ص: 523 ] ولأن فيه جمعا بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة في سبيل الله مع صلاة الليل . والتلبية غير محصورة [ ص: 524 ] والسفر غير مقصود ، والحلق خروج عن العبادة فلا ترجيح بما ذكر .

والمقصد بما روي نفي قول أهل الجاهلية إن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور . وللقران ذكر في القرآن لأن المراد من قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } أن يحرم بهما من دويرة أهله على ما روينا من قبل . ثم فيه تعجيل الإحرام واستدامة إحرامهما من الميقات إلى أن [ ص: 525 ] يفرغ منهما ، ولا كذلك التمتع فكان القران أولى منه . وقيل الاختلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله بناء على أن القارن عندنا يطوف طوافين ويسعى سعيين ، وعنده طوافا واحدا سعيا واحدا .

التالي السابق


( باب القران )

المحرم إن أفرد الإحرام بالحج فمفرد بالحج ، وإن أفرد بالعمرة فإما في أشهر الحج أو قبلها إلا أنه أوقع أكثر أشواط طوافها فيها أولا . الثاني مفرد بالعمرة ، والأول أيضا كذلك إن لم يحج من عامه ، أو حج وألم بأهله بينهما إلماما صحيحا ، وإن حج ولم يلم بأهله بينهما إلماما صحيحا فمتمتع ، وسيأتي معنى الإلمام الصحيح إن شاء الله تعالى . وإن لم يفرد الإحرام لواحد منهما بل أحرم بهما معا ، أو أدخل إحرام الحج على إحرام العمرة قبل أن يطوف للعمرة أربعة أشواط فقارن بلا إساءة ، وإن أدخل إحرام العمرة على إحرام الحج قبل أن يطوف للقدوم ولو شوطا فقارن مسيء ، لأن القارن من يبني الحج على العمرة في الأفعال فينبغي أن يبنيه أيضا في الإحرام أو يوجدهما معا ، فإذا خالف أساء وصح لتمكنه من أن يبني الأفعال إذا لم يطف شوطا ، فإن لم يحرم بالعمرة حتى طاف شوطا رفض .

العمرة وعليه قضاؤها ودم للرفض لأنه عجز عن الترتيب ، وهذا بناء على ما تقدم من أنه لا طواف قدوم للعمرة . هذا كلامهم في القارن ، ومقتضاه أن لا يعتبر في القران إيقاع العمرة في أشهر الحج . ويشكل عليه ما عن محمد : لو طاف في رمضان لعمرته فهو قارن ، ولكن لا دم عليه إن لم يطف لعمرته في أشهر الحج ، وسيأتيك تحقيق المقام إن شاء الله تعالى في باب التمتع ( قوله القران أفضل إلخ ) المراد بالإفراد في الخلافية أن يأتي بكل منهما مفردا خلافا [ ص: 519 ] لما روي عن محمد من قوله : حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندي من القران ، أما مع الاقتصار على إحداهما فلا إشكال أن القران أفضل بلا خلاف .

وحقيقة الخلاف ترجع إلى الخلاف في أنه عليه الصلاة والسلام كان في حجته قارنا أو مفردا أو متمتعا ، فالذي يهمنا النظر في ذلك ، ولنقدم عليه استدلال المصنف لنوفي بتقرير الكتاب ثم نرجع إلى تحرير النظر في ذلك . استدل للخصوم بقوله عليه الصلاة والسلام { القران رخصة } ولا يعرف هذا الحديث .

وللمذهب بقوله صلى الله عليه وسلم { يا أهل محمد أهلوا بحجة وعمرة معا } رواه الطحاوي بسنده ، وسنذكره عند تحقيق الحق إن شاء الله . ونقول : اختلفت الأمة في إحرامه عليه الصلاة والسلام . فذهب قائلون إلى أنه أحرم مفردا ولم يعتمر في سفرته تلك ، وآخرون إلى أنه أفرد واعتمر فيها من التنعيم ، وآخرون إلى أنه تمتع ولم يحل لأنه ساق الهدي ، وآخرون إلى أنه تمتع وحل ، وآخرون إلى أنه قرن فطاف طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا لحجته وعمرته ، وآخرون إلى أنه قرن فطاف طوافين وسعى سعيين لهما وهذا مذهب علمائنا . وجه الأول ما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت { خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة } فهذا التقسيم يفيد أن من أهل بالحج لم يضم إليه غيره . ولمسلم عنها { أنه عليه الصلاة والسلام أهل بالحج مفردا } . وللبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما { أنه صلى الله عليه وسلم أهل بالحج وحده } وفي سنن ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه { أنه صلى الله عليه وسلم أفرد الحج } وللبخاري عن عروة بن الزبير قال { حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم عمر مثل ذلك ، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت . ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم معاوية وعبد الله بن عمر ، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام وكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم تكن عمرة ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ، ثم لم تكن عمرة ، ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر ، [ ص: 520 ] ثم لم ينقضها بعمرة ولا أحد ممن مضى ، ما كانوا يبدءون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف ثم لا يحلون وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبدآن بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان } .

فهذه كلها تدل على أنه أفرد ، ولم ينقل أحد مع كثرة ما نقل أنه اعتمر بعده ، فلا يجوز الحكم بأنه فعله ، ومن ادعاه فإنما اعتمد على ما رأى من فعل الناس في هذا الزمان من اعتمارهم بعد الحج من التنعيم فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه ، وقد تم بهذا مذهب الإفراد . وجه القائلين أنه كان متمتعا ما في الصحيحين عن ابن عمر { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، فلما قدم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فلا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليحلل ثم يهل بالحج وليهد ، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه } وعن عائشة { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه } بمثل حديث ابن عمر متفق عليه .

وعن عمران بن حصين { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه } رواه مسلم والبخاري بمعناه . وفي رواية لمسلم والنسائي : أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة ، فقال له عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ، ولكني كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم فهذا اتفاق منهما على أنه عليه الصلاة والسلام كان متمتعا . وقد علمت من هذا أن الذين رووا عنه الإفراد عائشة ، وابن عمر رووا عنه أنه كان متمتعا .

وأما رواية عروة بن الزبير فقوله في الكل ثم لم تكن عمرة ، يعني ثم لم يكن إحرام الحج يفعل به عمرة بفسخه ، فإنما هو دليل ترك الناس فسخ الحج إلى العمرة لما علموا من دليل منعه مما أسلفناه في كتاب الحج ، والدليل عليه قوله ثم لم ينقضها بعمرة إلخ . ثم صرح في حديث ابن عمر السابق بأنه لم يحل حتى قضى حجه فثبت المطلوب . وأما ما استدل به القائلون بأنه أحل من حديث معاوية { قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص } قالوا : ومعاوية أسلم بعد الفتح والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن محرما في الفتح فلزم كونه في حجة الوداع وكونه عن إحرام العمرة لما زاده أبو داود في روايته من قوله عند المروة والتقصير في الحج إنما يكون في منى .

فدفعه بأن الأحاديث الدالة على عدم إحلاله جاءت مجيئا متظافرا يقرب القدر المشترك من الشهرة التي هي قريبة من التواتر كحديث ابن عمر السابق ، وما تقدم في الفسخ من الأحاديث وحديث جابر الطويل الثابت في مسلم وغيره وكثير ، وسيأتي شيء منها في أدلة القران .

ولو انفرد حديث ابن عمر كان مقدما على حديث معاوية . فكيف والحال ما أعلمناك فلزم في حديث معاوية الشذوذ عن الجم الغفير ، فإما هو خطأ ، أو محمول على عمرة الجعرانة ، فإنه كان قد أسلم إذ ذاك ، وهي عمرة خفيت على بعض الناس لأنها كانت ليلا على ما في الترمذي والنسائي { أنه عليه الصلاة والسلام خرج من الجعرانة ليلا معتمرا فدخل مكة ليلا ، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته } الحديث . قال : فمن أجل ذلك خفيت على الناس ، وعلى هذا فيجب الحكم على الزيادة التي في سنن النسائي وهي قوله { في أيام العشر } بالخطإ ، ولو كانت بسند صحيح ، إما لنسيان من معاوية أو من بعض الرواة عنه . ونحن نقول وبالله التوفيق : لا شك أن تترجح رواية تمتعه لتعارض الرواية عمن روي عنه الإفراد ، وسلامة رواية غيره ممن روى التمتع دون الإفراد ، ولكن التمتع بلغة القرآن الكريم وعرف الصحابة [ ص: 521 ] أعم من القران كما ذكره غير واحد ، وإذا كان أعم منه احتمل أن يراد به الفرد المسمى بالقران في الاصطلاح الحادث وهو مدعانا ، وأن يراد به الفرد المخصوص باسم التمتع في ذلك الاصطلاح ، فعلينا أن ننظر أولا في أنه أعم في عرف الصحابة أو لا ، وثانيا في ترجيح أي الفردين بالدليل ، والأول يبين في ضمن الترجيح وثم دلالات أخر على الترجيح مجردة عن بيان عمومه عرفا .

أما الأول فما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع علي وعثمان بعسفان فكان عثمان ينهى عن المتعة ، فقال علي : ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ فقال عثمان : دعنا منك ، فقال علي : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا . هذا لفظ مسلم .

ولفظ البخاري : اختلف علي وعثمان بعسفان في المتعة فقال علي ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا فهذا يبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مهلا بهما ، وسيأتيك عن علي التصريح به ، ويفيد أيضا أن الجمع بينهما تمتع ، فإن عثمان كان ينهى عن المتعة وقصد علي إظهار مخالفته تقريرا لما فعله عليه الصلاة والسلام ، وأنه لم ينسخ فقرن ، وإنما تكون مخالفة إذا كانت المتعة التي نهى عنها عثمان هي القران فدل على الأمرين اللذين عيناهما وتضمن اتفاق علي وعثمان على أن القران من مسمى التمتع ، وحينئذ يجب حمل قول ابن عمر : { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمتع الذي نسميه قرانا } لو لم يكن عنه ما يخالف ذلك اللفظ ، فكيف وقد وجد عنه ما يفيد ما قلناه ، وهو ما في صحيح مسلم عن ابن عمر { أنه قرن الحج مع العمرة وطاف لهما طوافا واحدا ، ثم قال : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم } فظهر أن مراده بلفظ المتعة في ذلك الحديث الفرد المسمى بالقران ، وكذا يلزم مثل هذا في قول عمران بن حصين { تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه } لو لم يوجد عنه غير ذلك فكيف وقد وجد ، وهو ما في صحيح مسلم عن عمران بن حصين قال لمطرف : أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن يحرمه } وكذا يجب مثل ما قلنا في حديث عائشة : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى آخر ما تقدم ، لو لم يوجد عنها ما يخالفه فكيف وقد وجد ، ما هو ظاهر فيه ، وهو ما في سنن أبي داود عن النفيلي : حدثنا زهير بن معاوية .

حدثنا أبو إسحاق عن مجاهد ، سئل ابن عمر رضي الله عنهما : { كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : مرتين } ، فقالت عائشة رضي الله عنها : لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرن بحجته .

وكذا ما في مسلم من أن أبا موسى كان يفتي بالمتعة : يعني بقسميها . وقول عمر رضي الله عنه له : قد علمت أنه صلى الله عليه وسلم فعله وأصحابه : أي فعلوا ما يسمى متعة فهو عليه الصلاة والسلام فعل النوع المسمى بالقران وهم فعلوا النوع المخصوص باسم المتعة في عرفنا بواسطة فسخ الحج إلى عمرة . ويدل على اعتراف عمر به عنه صلى الله عليه وسلم ما في البخاري عن عمر رضي الله عنه قال : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة } ولا بد له من امتثال ما أمر به في منامه الذي هو وحي .

وما في أبي داود والنسائي عن منصور وابن ماجه عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل عن الصبي بن معبد التغلبي [ ص: 522 ] قال : { أهللت بهما معا ، فقال عمر : هديت لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم } . وروي من طرق أخرى وصححه الدارقطني قال : وأصحه إسناد حديث منصور والأعمش عن أبي وائل عن الصبي عن عمر .

وأما الثاني ففي الصحيحين عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا ، قال بكر فحدثت ابن عمر فقال لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس رضي الله عنه : ما تعدونا إلا صبيانا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك حجا وعمرة } وقول ابن الجوزي إن أنسا كان إذ ذاك صبيا لقصد تقديم رواية ابن عمر عليه غلط ، بل كان سن أنس في حجة الوداع عشرين سنة أو إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين سنة أو ثلاثا وعشرين سنة ، وذلك أنه اختلف في أنه توفي سنة تسعين من الهجرة أو إحدى وتسعين أو اثنين وتسعين أو ثلاث وتسعين ، ذكر ذلك الذهبي في كتاب العبر ، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وسنه عشر سنين فكيف يسوغ الحكم عليه بسن الصبا إذ ذاك مع أنه إنما بين ابن عمر وأنس في السن سنة واحدة أو سنة وبعض سنة .

ثم إن رواية ابن عمر عنه عليه الصلاة والسلام الإفراد معارضة بروايته عنه التمتع كما أسمعناك وعلمت أن مراده بالتمتع القران كما حققته ، وثبت عن ابن عمر فعله ونسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه آنفا ، لم يختلف على أنس أحد من الرواة في أنه عليه الصلاة والسلام كان قارنا ، قالوا : اتفق عن أنس ستة عشر راويا أنه عليه الصلاة والسلام قرن مع زيادة ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان خادمه لا يفارقه ، حتى إن في بعض طرقه { كنت آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقصع بجرتها ولعابها يسيل على يدي وهو يقول : لبيك بحجة وعمرة معا } وفي صحيح مسلم عن عبد العزيز وحميد ويحيى بن أبي إسحاق أنهم سمعوا أنسا يقول { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما لبيك عمرة وحجا } وروى أبو يوسف عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لبيك بحجة وعمرة معا } .

وروى النسائي من حديث أبي أسماء عن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة حين صلى الظهر } وروى البزار من حديث زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن أنس مثله .

وذكر وكيع : حدثنا مصعب بن سليم قال : سمعت أنسا مثله قال : وحدثنا ثابت البناني عن أنس مثله . وفي صحيح البخاري عن قتادة عن أنس { اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر } فذكرها وقال { عمرة مع حجة } وذكر عبد الرزاق : حدثنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة وحميد بن هلال عن أنس مثله ، فهؤلاء جماعة ممن ذكرنا فلم تبق شبهة من جهة النظر في تقديم القران .

وفي أبي داود عن البراء بن عازب قال { كنت مع علي رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمين } الحديث ، إلى أن قال فيه : { قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني عليا فقال لي : كيف صنعت ؟ قلت : أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فإني سقت الهدي وقرنت } وذكر الحديث .

وروى الإمام أحمد من حديث سراقة بإسناد كله ثقات قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال : وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع } .

وروى النسائي عن { مروان بن الحكم : كنت جالسا عند عثمان فسمع عليا يلبي بحج وعمرة فقال : ألم تكن [ ص: 523 ] تنهى عن هذا ؟ فقال : بلى ، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي جميعا فلم أدع فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك } ، وهذا ما وعدناك من الصريح عن } علي . وروى أحمد من حديث أبي طلحة الأنصاري { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة } ورواه ابن ماجه بسند فيه الحجاج بن أرطاة ، وفيه مقال ، ولا ينزل حديثه عن الحسن ما لم يخالف أو ينفرد .

قال سفيان الثوري : ما بقي على وجه الأرض أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه وعيب عليه التدليس وقال : من سلم منه . وقال أحمد : كان من الحفاظ . وقال ابن معين ، ليس بالقوي وهو صدوق يدلس . قال أبو حاتم : إذا قال حدثنا فهو صالح لا يرتاب في حفظه ، وهذه العبارات لا توجب طرح حديثه .

وروى أحمد من حديث الهرماس بن زياد الباهلي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن في حجة الوداع بين الحج والعمرة } وروى البزار بإسناد صحيح إلى ابن أبي أوفى قال : إنما { جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أن لا يحج بعد عامه ذلك } .

وروى أحمد من حديث جابر { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافا واحدا } وروي أيضا من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج } وهو الحديث الذي ذكره المصنف في الكتاب .

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن { حفصة قالت : قلت يا رسول الله ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك ؟ قال : إني قلدت هديي } الحديث ، وهذا يدل على أنه كان في عمرة يمتنع منها التحلل قبل تمام أعمال الحج ، ولا يكون ذلك على قول مالك والشافعي إلا للقارن فهذا وجه إلزامي ، فإن سوق الهدي عند هما لا يمنع المتمتع عن التحلل ، والاستقصاء واسع ، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى . هذا ومما يمكن الجمع به بين روايات الإفراد والتمتع أن يكون سبب روايات الإفراد سماع من رواه تلبيته عليه الصلاة والسلام بالحج وحده ، وأنت تعلم أنه لا مانع من إفراد ذكر نسك في التلبية وعدم ذكر شيء أصلا وجمعه أخرى مع نية القران فهو نظير سبب الاختلاف في تلبيته عليه الصلاة والسلام أكانت دبر الصلاة أو استواء ناقته أو حين علا على البيداء على ما قدمناه في أوائل باب الإحرام . هذا وأما أنه حين قرن طاف طوافين وسعى سعيين فسيأتي الكلام فيه ، ولنرجع إلى تقرير الترجيحات المعنوية التي ذكرها المصنف رحمه الله ( قوله ولأنه ) أي القران ( جمع بين العبادتين فأشبه الصوم مع الاعتكاف والحراسة في سبيل الله مع صلاة الليل ) وأنت تعلم أن الجمع بين النسكين في الأداء متعذر ، بخلاف الصوم مع الاعتكاف والحراسة مع الصلاة ، وإنما الجمع بينهما حقيقة في الإحرام وليس هو من الأركان عندنا بل شرط فلا يتم التشبيه .

وأيضا علمت أن موضع الخلاف ما إذا أتى بالحج والعمرة ، لكن أفرد كلا منهما في سفرة واحدة يكون القران وهو الجمع بين إحراميهما أفضل ، فملاقاة التشبيه تكون على تقدير أن الإنسان إذا صام يوما بلا اعتكاف ثم اعتكف يوما آخر بلا صوم أو حرس ليلة بلا صلاة وصلى ليلة بلا حراسة يكون الجمع بينهما في يوم وليلة أفضل ، وهذا ليس بضروري فيحتاج إلى البيان ولا يكون إلا بسمع لأن تقدير الأثوبة والأفضلية لا يكون إلا به .

( قوله والتلبية إلخ ) دفع لترجيح الإفراد بزيادة التلبية والسفر والحلق ، فقال ( التلبية غير محصورة ) يعني لا يلزم زيادتها في الإفراد على القران لأنها غير محصورة [ ص: 524 ] ولا مقدر لكل نسك قدر منها فيجوز زيادة تلبية من قرن على من أفرد كما يجوز قلبه ( والسفر غير مقصود ) إلا للنسك فهو في نفسه غير عبادة وإن كان قد يصير عبادة بنية النسك به فلا يبعد أن يعتبر نفس النسك الذي هو أقل سفرا أفضل من الأكثر سفرا لخصوصية فيه اعتبرها الشارع ، فإن ظهرنا عليها وإلا حكمنا بالأفضلية تعبدا ، وقد علمنا الأفضلية بالعلم بأنه قرن لظهور أنه لم يكن ليعبد الله تعالى هذه العبادة الواجبة التي لم تقع له في عمره إلا مرة واحدة إلا على أكمل وجه فيها ( والحلق خروج عن العبادة ) فلا يوجب زيادته بالتكرر زيادة أفضلية ما لم يتكرر فيه كما قلنا فيما قبله ( والمقصد بما روي ) أي بالرخصة فيما روي القران رخصة لو صح ( نفي قول أهل الجاهلية : العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ) فكان تجويز الشرع إياها في أشهر الحج حتى لا يحتاج إلى وقت آخر ألبتة رخصة إسقاط فكان أفضل ، فإن رخصة الإسقاط هي العزيمة في هذه الشريعة حيث كانت نسخا للشرع المطلوب رفضه ، وأقل ما في الباب أن يكون أفضل لأن في فعله بعد تقرر الشرع المطلوب إظهاره ورفض المطلوب رفضه .

وهو أقوى في الإذعان والقبول من مجرد اعتقاد حقيته وعدم فعله ، وهذا من الخصوصيات ، وكثير في هذا الشرح من فضل الله تعالى مثله إذا تتبع ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( قوله وللقران ذكر في القرآن ) جواب عن قول مالك للتمتع ذكر في القرآن ولا ذكر للقران فيه فقال بل فيه وهو [ ص: 525 ] قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } على ما روينا من قول ابن مسعود رضي الله عنه : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وعلى ما قدمناه من الخلافية نفس ذكر التمتع ذكر القران لأنه نوع منه فذكره ذكر كل من أنواعه ضمنا ، وقوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } على هذا معناه من ترفق بالعمرة في وقت الحج ترفقا غايته الحج ، وسماه تمتعا لما قلنا إنها كانت ممنوعة عند الجاهلية في أشهر الحج تعظيما للحج بأن لا يشرك معه في وقته شيء .

فلما أباحها العزيز جل جلاله فيه كان توسعة وتيسيرا لما فيه من إسقاط مؤنة سفر آخر أو صبر إلى أن ينقضي وقت الحج فكان الآتي به متمتعا بنعمة الترفق بهما في وقت أحدهما ( قوله وعنده طوافا واحدا إلخ ) فلما كان في الجمع بينهما نقصان أفعال بالنسبة إلى إفراد كل منهما كان إفراد كل منهما أولى من الجمع



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث