الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه

( الفرق الرابع والسبعون والمائتان بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه ) اعلم أن أصل الدعاء من حيث هو دعاء الندب كما تقدم ، ويعرض له من جهة متعلقه ما يقتضي التحريم وقد تقدم وما يقتضي الكراهة ولذلك أسباب خمسة :

( السبب الأول ) الأماكن كالدعاء في الكنائس والحمامات ومواضع النجاسات والقاذورات ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والمخالفات كالحانات ونحوها ، وكذلك الأسواق التي يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة [ ص: 299 ] والأيمان الحانثة فجميع ذلك يكره الدعاء فيه من أجل أن القرب إلى الله تعالى ينبغي أن يكون على أحسن الهيئات في أحسن البقاع والأزمان ويدل على اعتبار هذا المعنى { نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق } ، فإن أعجزه الخلوص من ذلك حصل له الدعاء مع فوات رتبة الدعاء كالصلاة في البقاع المكروهة .

( السبب الثاني ) للكراهة الهيئات كالدعاء مع النعاس وفرط الشبع ومدافعة الأخبثين أو ملابسة النجاسات والقاذورات أو قضاء حاجة الإنسان ونحو ذلك من الهيئات التي لا تناسب التقرب إلى ذي الجلال ، فإن فعل صح مع فوات رتبة [ ص: 300 ] الكمال .

( السبب الثالث ) الكرامة كونه سببا لتوقع فساد القلوب وحصول الكبر والخيلاء كما كره مالك وجماعة من العلماء رحمهم الله لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين فيجتمع لهذا الإمام التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وعباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء ، ويوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه ويروى أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يدعو لقومه بعد الصلوات بدعوات فقال لا إني أخشى أن تشمخ حتى تصل إلى الثريا إشارة [ ص: 301 ] إلى ما ذكرنا ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره وخشي على نفسه الكبر بسبب ذلك فالأحسن له الترك حتى تحصل له السلامة .

( السبب الرابع ) كون متعلقه مكروها فيكره كراهة الوسائل لا كراهة المقاصد كالدعاء بالإعانة على اكتساب الرزق بالحجامة ونزو الدواب والعمل في الحمامات وغير ذلك من الحرف الدنيات مع قدرته على الاكتساب بغيرها ، وكذلك القول في الدعاء بكل ما نص العلماء على كراهته يكره كراهة الوسائل .

( السبب الخامس ) للكراهة عدم تعيينه قربة بل يطلق على سبيل العادة والاستراحة في الكلام وتحسين اللفظ من الذي يلابسه كما يجري [ ص: 302 ] ذلك على ألسنة السماسرة في الأسواق عند افتتاح النداء على السلع كقولهم الصلاة والسلام على خير الأنام . قال مالك كم يقولون هذا على سبيل العادة من غير قصد الدعاء والتقرب إلى الله تعالى وهو خبر ومعناه الدعاء وكما يقول المتحدثون في مجالسهم ما أقوى فرس فلان أبلاها الله بدنية أو سبع ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى ولا يريدون شيئا من حقيقته فهذا كله مكروه ، وقد أشار بعض العلماء إلى تحريمه ، وقال كل ما يشرع قربة لله تعالى لا يجوز أن يقع إلا قربة له على وجه التعظيم والإجلال لا على وجه التلاعب ، فإن قلت قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحوا [ ص: 303 ] من هذا الدعاء ، ومنصبه صلى الله عليه وسلم منزه عن المكروهات بل يجب اتباعه في أقواله وأفعاله وأقل الأحوال أن يكون مباحا فمن ذلك { قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه } لما تعجبت مما لم تعلم من كون المرأة تنزل المني كما ينزل الرجل ، ومعلوم أنه عليه السلام ما أراد إذايتها بالدعاء ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم { عليك بذات الدين تربت يداك } ليس من الإرشاد ما يقتضي قصد الإضرار بالدعاء فقد استعمل الدعاء لا على وجه الطلب والتقرب وهو عين ما نحن فيه . قلت لفظ الدعاء إذا غلب استعماله في العرف [ ص: 304 ] في غير الدعاء انتسخ منه حكم الدعاء ولا ينصرف بعد ذلك إلى الدعاء إلا بالقصد والنية فإذا استعمله مستعمل في غير الدعاء فقد استعمله فيما هو موضوع له عرفا ولا حرج في ذلك ، وإنما الكلام في الألفاظ التي تنصرف بصراحتها للدعاء وتستعمل في غيره فليس ما في الأحاديث من هذا الباب وهاهنا انتهى ما جمع من القواعد والفروق والله أعلم بالصواب

[ ص: 299 - 304 ]

التالي السابق


[ ص: 299 - 304 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو مكروه من الدعاء وقاعدة ما ليس بمكروه ) .

وقد تقدم أن الأصل في الدعاء من حيث هو دعاء الندب ، وقد يعرض له من جهة متعلقه ما يقتضي التحريم ، وقد تقدم وما يقتضي الكراهة وهو أحد خمسة أسباب :

( السبب الأول ) الأماكن التي لا تليق بالقرب إلى الله تعالى كالحمامات ومواضع النجاسات والقاذورات والكنائس ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والمخالفات كنحو الخانات والأسواق التي يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة والأيمان الحانثة { لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق } .

( والسبب الثاني ) الهيئات التي لا تليق بالقرب إلى الله تعالى كحالة النعاس وفرط الشبع ومدافعة الأخبثين وملابسة النجاسات والقاذورات وقضاء حاجة الإنسان فإن فعل الدعاء في الأماكن المذكورة أو على حالة من تلك الأحوال صح مع فوات رتبة الكمال .

( والسبب الثالث ) كونه سببا [ ص: 304 ] لحصول الكبر والخيلاء للداعي كدعاء أئمة المساجد والجماعات عقيب الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين فقد كرهه مالك وجماعة من العلماء رحمهم الله تعالى من حيث إنه يجتمع لهذا الإمام التقدم في الصلاة وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وعباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء فيوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه ، وقد روي أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يدعو لقومه بعد الصلاة بدعوات فقال لا إني أخشى أن تشمخ حتى تصل إلى الثريا إشارة إلى ما ذكر ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره وخشي على نفسه الكبر بسبب ذلك فالأحسن له الترك حتى تحصل له السلامة .

( والسبب الرابع ) كون متعلقه مكروها فيكره كراهة الوسائل لا كراهة المقاصد كالدعاء على اكتساب الرزق بنحو الحجامة ونزو الدواب والعمل في الحمامات من الحرف الدنيئات مع قدرته على الاكتساب بغيرها ، وكذلك كل دعاء نص العلماء على كراهته يكره كراهة الوسائل .

( والسبب الخامس ) ما جرى على ألسنة نحو المتحدثين في مجالسهم من نحو قولهم ما أقوى فرس فلان أبلاها الله بدنية أو سبع وعلى ألسنة السماسرة في الأسواق عند افتتاح النداء على السلع من نحو قولهم عليه الصلاة والسلام على خير الأنام مما هو خبر في الأصل أريد به الدعاء على سبيل العادة من غير قصد التقرب إلى الله تعالى قال مالك كم يقولون هذا على سبيل العادة من غير قصد الدعاء والتقرب إلى الله تعالى وهو خير ومعناه الدعاء ، وكل ما يجري أي على لسان العامة وغيرهم هذا المجرى ولا يريدون شيئا من حقيقته فهو مكروه بل قد أشار بعض العلماء إلى تحريمه فقال كل ما يشرع قربة لله تعالى لا يجوز أن يقع إلا قربة له على وجه التعظيم والإجلال لا على وجه التلاعب ا هـ . قال الأصل وكلامنا هنا إنما هو في الألفاظ التي تنصرف بصراحتها للدعاء وتستعمل في غيره ، وأما ما غلب استعماله في العرف في غير الدعاء حتى انتسخ منه حكم الدعاء وصار بحيث لا ينصرف بعد ذلك إلى الدعاء إلا بالقصد والسنة فلا حرج على مستعمله في غير الدعاء لأنه قد استعمله فيما هو موضوع له عرفا ومن ذلك { قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه } لما تعجبت مما لم تعلم من كون المرأة تنزل المني كما ينزل الرجل وقوله صلى الله عليه وسلم { عليك بذات الدين تربت يداك } إذ من المعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد أذية عائشة ولا غيرها بالدعاء إذ ليس من الإرشاد ما يقتضي الإضراب بالدعاء ، وإنما استعمل ذلك فيما غلب بالعرف استعماله فيه من غير الدعاء فيكون مباحا لا مكروها ؛ لأن منصبه صلى الله عليه وسلم منزه عن المكروهات في أقواله وأفعاله بل أقل الأحوال أن يكون كل منها مباحا ؛ لأنه يجب اتباعه صلى الله عليه وسلم فيها . ا هـ .

قلت ويؤخذ مما مر عن الأصل وسلمه ابن الشاط أن لكراهة الدعاء سببا سادسا مما يعرض له فيقتضي كراهته وهو كونه بالألفاظ العجمية الصادرة ممن لم يغلب عليهم من العجم الضلال والفساد فيكره الدعاء والرقي بها قبل معرفة معناها سدا للذريعة فتنبه لذلك . هذا تهذيب ما قاله الأصل في هذا الفرق وسلمه ابن الشاط وبه يتم ما قصدته من تهذيب الفروق والقواعد السنية بما وفق الله إليه وأعان عليه من الزيادة والفوائد العلية وأستغفره تعالى من كل قول لا يوافق العمل ، ومن كل ما ادعيته وأظهرته من العلم بدين الله تعالى مع التقصير فيه والزلل ، ومن كل خطرة دعتني إلى تزين وتصنع ، في كتاب سطرته أو كلام نظمته أو علم أفدته حتى أدى إلى الترفع ، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلني وجميع المسلمين لما علمنا عاملين ولوجهه به مريدين ، وأن لا يجعله وبالا علينا ، وأن يضعه في ميزان الصالحات إذا ردت أعمالنا إلينا ، إنه جواد كريم رءوف بعباده رحيم ، وإليه ترجع الأمور يوم الدين ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبفضله تنزل البركات ، وصلى الله على خير مولود ، دعا إلى أفضل معبود ، محمد النبي المنقذ من حالك الضلال وآله وسلم تسليما كثيرا مباركا فيه على كل حال وكان تحرير خاتمته في بلد جمبن سمطرا يوم الاثنين الرابع من ثاني الثاني من الرابع بعد الأربعين من الرابع عشر من هجرة سيد الملائكة والجن والبشر صلى الله عليه وسلم وعلى آله ومن انتمى إليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث