الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما قاله الله ورسوله أصل لتحديد الألفاظ المجملة في كلام الناس

ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله ، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين . بل [ ص: 240 ] الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل ، ويتدبر معناه ويعقله ، ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي ، ويعرف دلالته على هذا وهذا ، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة ، فيقال لأصحابها : هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا ، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل ، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد . وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ، ونحو ذلك . فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح ، بل ولا في اللغة ، بل هم يختصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها ، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر ، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية ، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل .

مثال ذلك ، في التركيب . فقد صار له معان :

أحدها . التركيب من متباينين فأكثر . ويسمى : تركيب مزج ، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك ، وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه وتعالى ، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال ، أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور .

والثاني : تركيب الجوار ، كمصراعي الباب ونحو ذلك ، ولا يلزم أيضا من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب .

الثالث : التركيب من الأجزاء المتماثلة ، وتسمى : الجواهر المفردة .

[ ص: 241 ] الرابع : التركيب من الهيولى والصورة ، كالخاتم مثلا ، هيولاه : الفضة ، وصورته معروفة . وأهل الكلام قالوا : إن الجسم يكون مركبا من الجواهر المفردة ، ولهم كلام في ذلك يطول ، ولا فائدة فيه ، وهو أنه : هل يمكن التركيب من جزءين ، أو من أربعة ، أو من ستة ، أو من ثمانية ، أو ستة عشر ؟ وليس هذا التركيب لازما لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه . والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء ، وإنما قولهم مجرد دعوى ، وهذا مبسوط في موضعه .

الخامس : التركيب من الذات والصفات ، هم سموه تركيبا لينفوا به صفات الرب تعالى ، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة ، ولا في استعمال الشارع ، فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة . ولئن سموا إثبات الصفات تركيبا ، فنقول لهم : العبرة للمعاني لا للألفاظ ، سموه ما شئتم ، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم ! فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرا ، لم يحرم بهذه التسمية .

السادس : التركيب من الماهية ووجودها ، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران ، وأما في الخارج ، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها ، ووجودها مجرد عنها ؟ هذا محال . فترى أهل الكلام يقولون : هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده ؟ ولهم في ذلك خبط كثير . وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك . وكم زال بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث