الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع

715 حدثنا أبو كريب ويوسف بن عيسى قالا حدثنا وكيع حدثنا أبو هلال عن عبد الله بن سوادة عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال ادن فكل فقلت إني صائم فقال ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام والله لقد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم كلتيهما أو إحداهما فيا لهف نفسي أن لا أكون طعمت من طعام النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي الباب عن أبي أمية قال أبو عيسى حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث الواحد والعمل على هذا عند أهل العلم وقال بعض أهل العلم الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد وقال بعضهم تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما وبه يقول إسحق

التالي السابق


قوله : ( عن أنس بن مالك : رجل من بني عبد الله بن كعب ) زاد في رواية أبي داود : إخوة بني قشير . قال الحافظ في التقريب : أنس بن مالك القشيري الكعبي أبو أمية وقيل أبو أميمة أو أبو مية صحابي نزل البصرة ، انتهى .

وقال ابن أبي حاتم في علله : سألت أبي عنه يعني الحديث فقال : اختلف فيه . والصحيح عن أنس بن مالك القشيري ، انتهى . وفي المرقاة : الصواب أنه من بني عبد الله بن كعب على ما جزم به البخاري في ترجمته ، فهو كعبي لا قشيري خلافا لما وقع لابن عبد البر ؛ لأن كعبا له ابنان عبد الله جد أنس هذا وقشير وهو أخو عبد الله ، وأما أنس بن مالك خادم النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو أنصاري تجاري خزرجي ، انتهى .

[ ص: 330 ] قوله : ( أغارت علينا ) أي على قومنا فإنه كان مسلما من قبل ، والإغارة النهب ( خيل رسول الله -صلى الله عليه وسلم ) أي فرسانه -صلى الله عليه وسلم- ( فقال ادن ) أمر من الدنو بمعنى القرب ( إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة ) أي نصفه يعني نصف الصلاة الرباعية ( وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام ) في رواية أبو داود : إن الله وضع شطر الصلاة أو نصف الصلاة والصوم عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى ، والله لقد قالهما جميعا أو أحدهما ( والله لقد قالهما النبي -صلى الله عليه وسلم- كليهما أو أحدهما ) أي قال الحامل والمرضع كليهما أو أحدهما .

قوله : ( وفي الباب عن أبي أمية ) أخرجه النسائي وليس فيه ذكر المرضع والحبلى .

قوله : ( حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن ) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، وسكت عنه أبو داود ، ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره .

قوله : ( والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ) كذا قال الترمذي ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين . قال الشوكاني في النيل : يجوز للحبلى والمرضع الإفطار ، وقد ذهب إلى ذلك العترة والفقهاء إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين ، وقالوا إنها تفطر حتما . قال أبو طالب : ولا خلاف في الجواز ، انتهى .

( وقال بعض أهل العلم : الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان ، وبه يقول سفيان [ ص: 331 ] ومالك والشافعي وأحمد ) أما أنهما يقضيان فلأنهما في حكم المريض ، والمريض يفطر ويقضي ، وأما أنهما يطعمان فلآثار بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- روى أبو داود في سننه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال في قوله : وعلى الذين يطيقونه قال : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام ، أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكينا ، والحبلى والمرضع إذا خافتا -يعني على أولادهما- أفطرتا وأطعمتا ، وأخرجه البزار كذلك وزاد في آخره : وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى : أنت بمنزلة الذي لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك . وصحح الدارقطني إسناده .

وروى الإمام مالك في الموطأ ، بلاغا أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام فقال : تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة بمد النبي صلى الله عليه وسلم . قال مالك : وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله -عز وجل- : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ويريدون ذلك مرضا من الأمراض مع الخوف على ولدها ، انتهى .

( وقال بعضهم : يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما ، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام ، وبه يقول إسحاق ) فعنده لا يجمع بين القضاء والإطعام ، فإذا أفطرت الحامل والمرضع قضتا ولا إطعام أو أطعمتا ولا قضاء .

قال الحافظ في الفتح : اختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد ، فقال الشافعي : يقضون ويطعمون ، وقال الأوزاعي والكوفيون : لا إطعام ، انتهى .

قال البخاري في صحيحه : قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان ، انتهى .

واستدل من قال إن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان ولا إطعام بأن الأصل فيه قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي إذا أفطر يلزم عليه الصوم بقدر ما فاته ولا أثر للفدية فيه ، والحامل والمرضع أعطي لهما حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط ، ويشهد له حديث الباب .

وقال العلامة الشاه ولي الله في " المصفى " بعد ذكر قول إسحاق المذكور ما لفظه : أين قول بتطبيق أدله مناسب ترمي نمايد ، انتهى . والظاهر عندي أنهما في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط ، والله تعالى أعلم .

[ ص: 332 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث