الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الحلف على الكلام فالمحلوف عليه وهو الكلام قد يكون مؤبدا ، وقد يكون مطلقا ، وقد يكون مؤقتا ، أما المؤبد فهو أن يحلف أن لا يكلم فلانا أبدا فهو على الأبد لا شك فيه ، لأنه نص عليه .

وأما المطلق فهو أن يحلف أن لا يكلم فلانا ولا يذكر الأبد وهذا أيضا على الأبد حتى لو كلمه في أي وقت ، كلمه في ليل أو نهار وفي أي مكان كان وعلى أي حال حنث ; لأنه منع نفسه من كلام فلان ليبقى الكلام من قبله على العدم ، ولا يتحقق العدم إلا بالامتناع من الكلام في جميع العمر ، فإن نوى شيئا دون شيء بأن نوى يوما أو وقتا أو بلدا أو منزلا لا يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ فلا يصدق رأسا ولا يحنث حتى يكون منه كلام مستأنف بعد اليمين فينقطع عنها ، فإن كان موصولا لم يحنث ; بأن قال : إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي أو فقومي فلا يحنث بقوله فاذهبي أو فقومي .

كذا قال أبو يوسف لأنه متصل باليمين ، وهذا ; لأن قوله لا أكلم أو إن كلمتك يقع على الكلام المقصود باليمين وهو ما يستأنف بعد تمام الكلام الأول ، وقوله فاذهبي أو فقومي وإن كان كلاما حقيقة فليس بمقصود باليمين فلا يحنث به ، ولأنه لما ذكره بحرف العطف دل أنه ليس بكلام مبتدإ .

وكذا إذا قال : واذهبي لما قلنا ، فإن أراد به كلاما مستأنفا يصدق ; لأنه كلام حقيقة وفيه تشديد على نفسه ، وإن أراد بقوله فاذهبي الطلاق فإنها تطلق بقوله فاذهبي لأنه من كنايات الطلاق ، ويقع عليها تطليقة أخرى باليمين ; لأنه لما نوى به الطلاق فقد صار كلاما مبتدأ فيحنث به ، وإن كان في الحال التي حلف ما يدل على تخصيص اليمين كانت خاصة ; بأن قال له رجل كلم لي زيدا اليوم في كذا فيقول : والله لا أكلمه ، يقع هذا على اليوم دون غيره بدلالة الحال ، وعلى هذا قالوا : لو قال ائتني اليوم ، فقال : امرأتي طالق إن أتيتك فهذا على اليوم .

وكذا إذا قال : ائتني في منزلي ، فحلف بالطلاق لا يأتيه فهو على المنزل ، وهذا إذا لم يطل الكلام بين دلالة التخصيص وبين اليمين ، فإن طال كانت اليمين على الأبد ، فإن قال : لم لا تلقني في المنزل وقد أسأت في تركك لقائي وقد أتيتك غير مرة فلم ألقك ، فقال الآخر : امرأته طالق إن أتاك فهذا على الأبد وعلى كل منزل ; لأن [ ص: 48 ] الكلام كثير فيما بين ابتدائه بذكر المنزل وبين المنزل وبين الحلف فانقطعت اليمين عنه وصارت يمينا مبتدأة ، فإن نوى هذا الإتيان في المنزل دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء لأنه يحتمله كلامه ، لكنه خلاف الظاهر .

ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسها الإمام فسبح به الحالف أو فتح عليه بالقراءة لم يحنث ; لأن هذا لا يسمى كلاما في العرف وإن كان كلاما في الحقيقة .

ألا ترى أن الكلام العرفي يبطل الصلاة به ؟ وهذا لا يبطلها ، وقد قالوا فيمن حلف لا يتكلم فصلى : أن القياس أن يحنث ; لأن التكبير والقراءة كلام حقيقة ، وفي الاستحسان لا يحنث لأنه لا يسمى كلاما عرفا .

ألا ترى أنهم يقولون فلان لا يتكلم في صلاته وإن كان قد قرأ فيها ، ولو قرأ القرآن خارج الصلاة يحنث ; لأنه تكلم حقيقة ، .

وقيل : هذا إذا كان الحالف من العرب ، فإن كان الحالف من العجم أو كان لسانه غير لسان العرب لا يحنث ، سواء قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة ; لأنه لا يعد متكلما ولو سبح تسبيحة أو كبر أو هلل خارج الصلاة يحنث عندنا ، وعند الشافعي لا يحنث ، والصحيح قولنا ، لأنه وجد الكلام حقيقة إلا أنا تركنا الحقيقة حالة الصلاة بالعرف ولا عرف خارج الصلاة ، .

وقيل : هذا في عرفهم .

فأما في عرفنا فلا يحنث خارج الصلاة أيضا لأنه لا يسمى كلاما في الحالين جميعا ، ولو فتح عليه في غير الصلاة حنث لأنه كلام حقيقة إلا أنه ترك الحقيقة في الصلاة للعرف ، فإن كان الإمام هو الحالف والمحلوف عليه خلفه فسلم لم يحنث بالتسليمة الأولى وإن كان على يمينه ونواه لأنه في الصلاة ، وسلام الصلاة لا يعد كلاما كتكبيرها والقراءة فيها .

ألا ترى أنه لا يفسد الصلاة ؟ ولو كان من كلام الناس لكان مفسدا ، وإن كان على يساره فنواه اختلف المشايخ فيه ، قد قال بعضهم : يحنث .

وقال بعضهم : لا يحنث ، وإن كان المقتدي هو الحالف فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف بناء على أن المقتدي لا يصير خارجا عن الصلاة بسلام الإمام عندهما ، وعند محمد يحنث لأنه خارج عن صلاته بسلام الإمام عنده ، فقد تكلم كلاما خارج الصلاة فيحنث ، ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه فسلم عليهم حنث لأنه كلم جماعتهم بالسلام ، فإن نوى القوم دونه لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى لأن ذكر الكل على إرادة البعض جائز ، ولا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر ، ولو نبه الحالف المحلوف عليه من النوم حنث وإن لم ينتبه لأن الصوت يصل إلى سمع النائم لكنه لا يفهم فصار كما لو كلمه وهو غافل ، ولأن مثل هذا يسمى كلاما في العرف كتكلم الغافل فيحنث ، ولو دق عليه الباب فقال من هذا أو من أنت ؟ حنث لأنه كلمه بالاستفهام ، ولو كان في مكانين فدعاه أو كلمه فإن كان ذلك بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه فإنه يحنث وإن لم يسمعه ، وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة فإن أصغى إليه لبعد ما بينهما لم يحنث لأن الموضع إذا كان قريبا بحيث يسمع مثله عادة يسمى مكلما إياه لما ذكرناه وإن لم يسمع لعارض وليس كذلك إذا كان بعيدا ، ولأنه إذا كان قريبا يحمل على أنه وصل الصوت إلى سمعه لكنه لم يفهمه فأشبه الغافل ، وإذا كان بعيدا لا يصل إليه رأسا ، وقالوا فيمن حلف لا يكلم إنسانا فكلم غيره وهو يقصد أن يسمعه لم يحنث ; لأن مثل هذا لا يسمى مكلما إياه إذا لم يقصده بالكلام .

ولو حلف لا يكلم امرأته فدخل داره وليس فيها غيرها فقال من وضع هذا ؟ أو أين هذا ؟ ؟ حنث ; لأنه كلمها حيث استفهم وليس هناك غيرها لئلا يكون لاغيا ، فإن كان في الدار غيرها لم يحنث لجواز أنه استفهم غيرها ، فإن قال ليت شعري من وضع هذا ؟ لم يحنث لأنه لم يكلمها وإنما كلم نفسه .

ولو حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا فانتهى الكتاب إليه ، أو أرسل إليه رسولا فبلغ الرسالة إليه لا يحنث ; لأن الكتابة لا تسمى كلاما .

وكذا الرسالة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث