الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إذا أسلم الزوجان أو أحدهما

116 - فصل : إذا ثبتت صحة نكاحهم فهاهنا مسائل :

المسألة الأولى : إذا أسلم الزوجان ، أو أحدهما ، فإن كانت المرأة كتابية لم يؤثر إسلامه في فسخ النكاح ، وكان بقاؤه كابتدائه ، وإن كانت غير كتابية ، وأسلم الزوجان معا ، فهما على النكاح سواء قبل الدخول وبعده ، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف .

قال ابن عبد البر : " أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حالة واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب ولا رضاع " .

[ ص: 641 ] وقد أسلم خلق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونساؤهم ، وأقروا على أنكحتهم ، ولم يسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شروط النكاح ، ولا عن كيفيته ، وهذا أمر علم بالتواتر ، والضرورة ، فكان يقينا .

ثم قال كثير من الفقهاء : المعتبر أن يتلفظا بالإسلام تلفظا واحدا ، يكون ابتداء أحدهما مع ابتداء صاحبه ، وانتهاؤه مع انتهائه .

والصواب أن هذا غير معتبر ، ولم يدل على ذلك كتاب ولا سنة ، ولا اشترط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك قط ، ولا اعتبره في واقعة واحدة مع كثرة من أسلم في حياته - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يقل يوما واحدا لرجل أسلم هو وامرأته : " تلفظا بالإسلام تلفظا واحدا لا يسبق أحدكما الآخر " ، وهل هذا إلا من التكلف الذي ألغته الشريعة ولم تعتبره ؟ وليس لهذا نظير في الشريعة ، بل إذا أسلما في المجلس الواحد فقد اجتمعا على الإسلام ، ولا يؤثر سبق أحدهما الآخر بالتلفظ به . وهذا اختيار شيخنا .

وإن أسلم أحدهما ، ثم أسلم الآخر بعده فاختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا .

فقالت طائفة : متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه ، سواء كانت كتابية ، أو غير كتابية ، وسواء أسلم بعدها بطرفة عين ، أو أكثر ، ولا سبيل له عليها إلا بأن يسلما معا في آن واحد ، فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها [ ص: 642 ] ساعة إسلامه ، ولو أسلمت بعده بطرفة عين ، هذا قول جماعة من التابعين وجماعة من أهل الظاهر ، وحكاه أبو محمد بن حزم ، عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عباس ، وحماد بن زيد والحكم بن عتيبة ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ، وعدي بن عدي ، وقتادة ، والشعبي .

[ ص: 643 ] قلت : وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلط عليه ، أو يكون رواية عنه ، فسنذكر من آثار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد ، وغيره ، فهذا قول .

وقال أبو حنيفة : أيهما أسلم قبل الآخر ، فإن كان في دار الإسلام عرض الإسلام على الذي لم يسلم ، فإن أسلما بقيا على نكاحهما ، وإن أبيا فحينئذ تقع الفرقة ، ولا تراعى العدة في ذلك .

ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة ومحمد : الفسخ هاهنا طلاق ؛ لأن الزوج ترك الإمساك بالمعروف مع القدرة عليه ، فينوب القاضي منابه في التسريح بالإحسان ، فيكون قوله كقول الزوج .

وقال أبو يوسف : لا يكون طلاقا ؛ لأنه سبب يشترك فيه الزوجان ، فلا يكون طلاقا ، كما لو ملكها أو ملكته ، فلو كانت المرأة مجوسية كانت الفرقة فسخا قولا واحدا .

قالوا : والفرق أن المجوسية ليست من أهل الطلاق بخلاف الذمية ، وإن [ ص: 644 ] كانا في دار الحرب فخرجت المرأة إلينا مسلمة ، أو معاهدة ، فساعة حصولها في دار الإسلام تقع الفرقة بينهما ، لا قبل ذلك ، فإن لم تخرج من دار الحرب ، بأن حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذ ، وعليها أن تبتدئ ثلاث حيض أخر عدة منه ، وهل هذه الفرقة فسخ أو طلاق ؟

فيه عن أبي حنيفة روايتان ، وهي فسخ عند أبي يوسف ، ولو أسلم الآخر قبل مضي ثلاث حيض فهما على نكاحهما ، فهذا قول ثان .

وقال مالك : إن أسلمت المرأة ، ولم يسلم الرجل ، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة ، وإن كان بعده فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما ، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه ، فإن أسلم هو ولم تسلم هي عرض عليها الإسلام ، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها ، سواء كان قبل الدخول أو بعده .

وقال أشهب : إنما تتعجل الفرقة إذا كان قبل الدخول ، وتقف على العدة إن كان بعد الدخول .

ثم قال ابن القاسم : إذا عقل عنها حتى مضى لها شهر وما قرب منه ، وليس بكثير وهما على نكاحهما ، والفرقة حيث وقعت فسخ .

[ ص: 645 ] وعن ابن القاسم رواية أخرى : أنها طلقة ثانية ، فهذا قول ثالث .

وقال ابن شبرمة عكس هذا ، وأنها إن أسلمت قبله وقعت الفرقة في الحين ، وإن أسلم قبلها فأسلمت في العدة فهي امرأته ، وإلا وقعت الفرقة بانقضاء العدة ، فهذا قول رابع .

وقال الأوزاعي ، والزهري ، والليث ، والإمام أحمد ، والشافعي ، وإسحاق : إذا سبق أحدهما بالإسلام ، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح ، وإن كان بعده ، فأسلم الآخر في العدة فهما على نكاحهما ، وإن [ ص: 646 ] انقضت العدة قبل إسلامه انفسخ النكاح ، فهذا قول خامس .

وقال حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني وقتادة ، كلاهما عن محمد بن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت امرأته ، فخيرها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن شاءت فارقته ، وإن شاءت أقامت عليه ، ( وعبد الله بن يزيد الخطمي هذا له صحبة ) ، وليس معناه أنها تقيم تحته ، وهو نصراني ، بل تنتظر ، وتتربص ، فمتى أسلم فهي امرأته ، ولو مكثت سنين ، فهذا قول سادس ، وهو أصح المذاهب في هذه المسألة ، وعليه تدل السنة كما سيأتي بيانه ، وهو اختيار شيخ الإسلام .

وقال حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما : هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها .

وقال سفيان بن عيينة ، عن مطرف بن طريف ، عن الشعبي ، عن علي : هو [ ص: 647 ] أحق بها ما لم تخرج من مصرها . فهذا قول سابع .

وقال ابن أبي شيبة : ثنا معتمر بن سليمان ، عن معمر ، عن الزهري : إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان ، فهذا قول ثامن .

وقال داود بن علي : إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم فإنها تقر عنده ولكن يمنع من وطئها .

وقال شعبة : ثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم النخعي في ذمية أسلمت تحت ذمي ، فقال : تقر عنده ، وبه أفتى حماد بن أبي سليمان .

[ ص: 648 ] قلت : ومرادهم أن العصمة باقية ، فتجب لها النفقة والسكنى ، ولكن لا سبيل له إلى وطئها ، كما يقوله الجمهور في أم ولد الذمي إذا أسلمت سواء ، فهذا قول تاسع .

ونحن نذكر مآخذ هذه المذاهب ، وما في تلك المآخذ من قوي وضعيف وما هو الأولى بالصواب .

فأما أصحاب القول الأول - وهم الذين يوقعون الفرقة بمجرد الإسلام - فلا نعلم أحدا من الصحابة قال به ألبتة ، وما حكاه أبو محمد بن حزم ، عن عمر ، وجابر ، وابن عباس فبحسب ما فهمه من آثار رويت عنهم مطلقة ، ونحن نذكرها :

قال شعبة : أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال : سمعت يزيد بن علقمة يقول : إن جده وجدته كانا نصرانيين ، فأسلمت جدته ففرق عمر بن الخطاب [ ص: 649 ] بينهما .

وليس في هذا دليل على تعجل الفرقة مطلقا بنفس الإسلام ، فلعله لم يكن دخل فيها ، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة ، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه ، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باق حتى يفسخ السلطان .

وقد روي عن عمر في هذا آثار يظن أنها متعارضة ، ولا تعارض بينها ، بل هي موافقة للسنة ، فمنها هذا .

ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خير المرأة ، إن شاءت أقامت عليه ، وإن شاءت فارقته .

ومنها ما رواه ابن أبي شيبة ، عن عباد بن العوام ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان الثعلبي كان ناكحا امرأة من بني تميم فأسلمت ، فقال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إما أن تسلم وإما أن ننزعها منك ، فأبى ، فنزعها عمر - رضي الله عنه .

[ ص: 650 ] وقد تمسك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني ، فإن أبى فرق بينهما .

وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها ، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزا بعد أن كان لازما ، فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة ، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني ، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة ، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ، ولو مكثت سنين ، كل هذا جائز لا محذور فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث