الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بقية كلام الخطابي في الغنية وتعليق ابن تيمية

قال أبو سليمان: (فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام [ ص: 293 ] ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم، ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها، وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟) .

قال أبو سليمان: (قلنا: إنا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف، ولكنا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع، ونرغب عنها إلى ما هو أوضح بيانا، وأصح برهانا، وإنما هو شيء أخذتموه عن الفلاسفة وتابعتموهم عليه.

وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة لأنهم لا يثبتون النبوات، ولا يرون لها حقيقة، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور، ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء، فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله عز وجل عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، [ ص: 294 ] والإيداع والانقطاع على سالكها) .

قلت: وهذا الذي ذكره الخطابي يبين أن طريقة الأعراض من الكلام المذموم، الذي ذمه السلف والأئمة، وأعرضوا عنه، كما ذكر ذلك الأشعري وغيره، وأن الذين سلكوها سلكوها لكونهم لم يسلكوا الطرق النبوية الشرعية، فمن لم يسلك الطرق الشرعية احتاج إلى الطرق البدعية، بخلاف من أغناه الله بالكتاب والحكمة.

والخطابي ذكر أن هذه الطريقة متعبة مخوفة، فسالكها يخاف عليه أن يعجز أو أن يهلك. وهذا كما ذكره الأشعري وغيره، ممن لم يجزموا بفساد هذه الطريقة، وإنما ذموها لكونها بدعة، أو لكونها صعبة متعبة قد يعجز سالكها، أو لكونها مخوفة خطرة لكثرة شبهاتها.

وهكذا ذكر الخطابي في كتاب شعار الدين ما يتضمن هذا المعنى، ولهذا كان من لم يعلم بطلان هذه الطريقة أو اعتقد صحتها، قد يقول ببعض موجباتها. كما يقع مثل ذلك في كلام الخطابي وأمثاله، ما يوافق موجبها، وقد أنكره عليه أئمة السلف والعلم، كما هو مذكور في غير هذا الموضع.

وهذا قد وقع فيه طوائف من أصناف الناس، من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. [ ص: 295 ]

وأما قوله: (إنهم أخذوا هذه الطريقة من الفلاسفة) كما ذكر ذلك الأشعري.

فيقال: كثير من الفلاسفة يبطل هذه الطريقة، كأرسطو وأتباعه، فلم يوجد عنهم، ومن الفلاسفة من يقول بها، والذين قالوا بها من أهل الكلام ليس كلهم أخذها عن الفلاسفة، بل قد تتشابه القلوب.

كما قال تعالى: كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم [سورة البقرة: 118].

وقال تعالى: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون [سورة الذاريات: 52 ، 53].

وأكثر المتكلمين السالكين لها مناقضون للقول المشهور عن الفلاسفة لا موافقون لهم، بل يردون على أرسطو وأصحابه في المنطق والطبيعيات والإلهيات.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث