الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا

وألف بين قلوبهم مع ما جبلوا عليه كسائر العرب من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة .

وقيل : إن الأنصار وهم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب ما أهلك ساداتهم ودق جماجمهم ولم يكن لبغضائهم أمد وبينهم التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس فأنساهم الله تعالى ما كان بينهم فاتفقوا على الطاعة وتصافوا وصاروا أنصارا وعادوا أعوانا وما ذاك إلا بلطيف صنعه تعالى وبليغ قدرته جل وعلا ، واعترض هذا القول بأنه ليس في السياق قرينة عليه ، وأجيب بأن كون المؤمنين مؤيدا بهم يشعر بكونهم أنصارا ولا يخفى ضعفه ولا تجد له أنصارا ، وبالجملة ما وقع من التأليف من أبهر معجزاته عليه الصلاة والسلام لو أنفقت ما في الأرض جميعا أي لتأليف ما بينهم ما ألفت بين قلوبهم لتناهي عداوتهم وقوة أسبابها ، والجملة استئناف مقرر لما قبله ومبين لعزة المطلب وصعوبة المأخذ ، والخطاب لكل واقف عليه لأنه لا مبالغة في انتفاء ذلك من منفق معين ، وذكر القلوب للإشعار بأن التأليف بينها لا يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهرا ولكن الله جلت قدرته ألف بينهم قلبا وقالبا بقدرته البالغة إنه عزيز كامل القدرة والغلبة لا يستعصي عليه سبحانه شيء مما يريد ( حكيم ) يعلم ما يليق تعلق الإرادة به فيوجده بمقتضى حكمته عز وجل ، ومن آثار عزته سبحانه تصرفه بالقلوب الأبية المملوءة من الحمية الجاهلية ، ومن آثار حكمته تدبير أمورهم على وجه أحدث فيهم التواد والتحاب فاجتمعت كلمتهم ، وصاروا جميعا كنانة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذابين عنه بقوس واحدة ، والجملة على ما قال الطيبي كالتعليل للتأليف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث