الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تابع كلام الخطابي في الغنية

قال الخطابي: (فهذا قولهم ورأيهم في عامة السلف وجمهور الأئمة وفقهاء الخلف، فلا تشتغل - رحمك الله - بكلامهم، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم، فإنها سريعة التهافت، كثيرة التناقض، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازنه أو يقاربه، فكل بكل معارض، وبعض ببعض مقابل، وإنما يكون تقدم الواحد منهم، وفلجه على خصمه بقدر حظه من البيان، وحذقه في صنعة الجدل والكلام، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل، على أصول مؤصلة لهم، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم، فهم يطالبونهم بقودها وطردها، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق الجدل منقطعا، وجعلوه مبطلا، وحكموا بالفلج لخصمه عليه، والجدل لا يبين به حق، ولا تقوم به حجة. وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين كلتاهما باطل ويكون الحق في ثالثة غيرهما، فمناقضة أحدهما صاحبه غير مصحح مذهبه وإن [ ص: 314 ] كان مفسدا به قول خصمه، لأنهما مجتمعان معا في الخطإ، مشتركان فيه، كقول الشاعر فيهم:


حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقا، وكل كاسر مكسور



وإنما كان الأمر كذلك لأن واحدا من الفريقين لا يعتمد في مقالتها التي ينصرها أصلا صحيحا، وإنما هي أوضاع تتكافأ وتتقابل، فيكثر المقال، ويدوم الاختلاف، ويقل الصواب.

قال الله تعالى: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [سورة النساء: 82]. فأخبر سبحانه أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده.

وهذا من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة، لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل، وذلك صفة الباطل الذي أخبر الله عنه. [ ص: 315 ]

ثم قال سبحانه في الحق: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [سورة الأنبياء: 18].

قال الخطابي: (فإن قيل: دلائل النبوة، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم - ما عدا القرآن - إنما نقلت إلينا من طريق الآحاد دون التواتر، والحجة لا تقوم بنقل الآحاد على من كان في الزمان المتأخر، لجواز وقوع الغلط فيها، واعتراض الآفات من الكذب وغيره عليها، قيل: هذه الأخبار، وإن كانت شروط التواتر في آحادها معدومة، فإن جملتها راجعة من طريق المعنى إلى التواتر، ومتعلقة به جنسا، لأن بعضها يوافق بعضا ويجانسه. إذ كل ذلك واقع تحت الإعجاز، والأمر المزعج للخواطر الناقض لمجرى العادات) .

قال: (ومثال ذلك أن يروي قوم أن حاتم طي وهب لرجل مائة [ ص: 316 ] من الإبل، ويروي آخرون أنه وهب لرجل آخر ألفا من الغنم، ويروي آخرون أنه وهب آخر عشرة أرؤس من الخيل والرقيق إلى ما يشبه ذلك حتى يكثر عدد ما يروى عنه، فهو وإن لم يثبت التواتر في كل واحد منها [نوعا] نوعا، فقد ثبت التواتر في جنسها، وحصل من جملتها العلم بأن حاتما سخي، كذلك هذه الأمور وإن لم يثبت لأفراد أعيانها تواتر، فقد ثبت برواية الجم الغفير، الذي لا يحصى عددهم، ولا يتوهم التواطؤ في الكذب عليهم، أنه قد جاء بمعنى معجز للبشر خارج عما في قدرهم، فصح بذلك أمر نبوته) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث