الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 118 ] سورة النساء

مدنية كلها

1- وبث منهما رجالا كثيرا ونساء أي نشر في الأرض.

تساءلون به والأرحام من نصب أراد: اتقوا الله الذي تساءلون به واتقوا الأرحام أن تقطعوها.

ومن خفض أراد: الذي تساءلون به وبالأرحام . وهو مثل قول الرجل: نشدتك بالله وبالرحم .

2- ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي: مع أموالكم مضمومة إليها.

والحوب الإثم. وفيه ثلاث لغات: حوب. وحوب. وحاب. [ ص: 119 ]

3- وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى أي: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين اليتامى. يقال: أقسط الرجل: إذا عدل. ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله: "المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة" ويقال: قسط الرجل: إذا جار بغير ألف. ومنه قول الله: وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .

ذلك أدنى ألا تعولوا أي: ذلك أقرب إلى ألا تجوروا وتميلوا. يقال: علت علي أي جرت علي. ومنه العول في الفريضة .

4- وآتوا النساء صدقاتهن يعني المهور. واحدها صدقة. وفيها لغة أخرى: صدقة.

نحلة أي: عن طيب نفس. يقول ذلك لأولياء النساء لا لأزواجهن ; [ ص: 120 ] لأن الأولياء كانوا في الجاهلية لا يعطون النساء من مهورهن شيئا. وكانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة. يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله. فتنفجها. أي تعظمها وتكثرها. ولذلك قالت إحدى النساء في زوجها:

* لا يأخذ الحلوان من بناتيا *

تقول: لا يفعل ما يفعله غيره. والحلوان هاهنا: المهور.

وأصل النحلة العطية. يقال: نحلته نحلة حسنة. أي أعطيته عطية حسنة. والنحلة لا تكون إلا عن طيب نفس. فأما ما أخذ بالحكم فلا يقال له نحلة.

* * *

5- ولا تؤتوا السفهاء أموالكم أي: لا تعطوا الجهلاء أموالكم، والسفه الجهل. وأراد هاهنا النساء والصبيان .

قياما وقواما بمنزلة واحدة. يقال: هذا قوام أمرك وقيامه أي: ما يقوم به أمرك.

6- وابتلوا اليتامى أي: اختبروهم.

حتى إذا بلغوا النكاح أي: بلغوا أن ينكحوا النساء.

فإن آنستم منهم رشدا أي: علمتم وتبينتم. وأصل آنست: أبصرت.

وبدارا أن يكبروا أي: تأكلوها مبادرة أن يكبروا فيأخذوها منكم. [ ص: 121 ] ومن كان غنيا فليستعفف أي: ليترك ولا يأكل.

ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف أي يقتصد ولا يسرف.

7- قال قتادة وكانوا لا يورثون النساء فنزلت: وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا موجبا فرضه الله. أي أوجبه.

9- وليخش الذين لو تركوا مبينة في كتاب "المشكل" .

قولا سديدا من السداد وهو الصواب والقصد في القول.

12- وقوله: يورث كلالة هو الرجل يموت ولا ولد له ولا والد. قال أبو عبيدة: هو مصدر من تكلله النسب . وتكلله النسب: أحاط به. والأب والابن طرفان للرجل. فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه. فسمي ذهاب الطرفين: كلالة. وكأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب مأخوذ منه نحو هذا قولهم: وجهت الشيء: أخذت وجهه، وثغرت الرجل: كسرت ثغره.

وأطراف الرجل: نسبه من أبيه وأمه. وأنشد أبو زيد:


فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح

[ ص: 122 ] أي صلاح.

* * *

15- واللاتي يأتين الفاحشة يعني الزنا.

وقوله: فأمسكوهن في البيوت منسوخة نسختها:

16- واللذان يأتيانها منكم يعني الفاحشة.

فآذوهما أي عزروهما. ويقال: حدوهما.

فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما أي: لا تعيروهما بالفاحشة. ونحو هذا قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله في الأمة: "فليجلدها الحد ولا يعيرها".

19- لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها قالوا . كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها، ألقى ثوبه عليها فيتزوجها بغير مهر إلا المهر الأول. ثم أضر بها ليرثها ما ورثت من أبيه. وكذلك كان يفعل الوارث أيضا غير الولد.

والكره هاهنا بمعنى الإكراه والقهر. فأما الكره بالضم فبمعنى المشقة. يقول الناس: لتفعلن ذلك طوعا أو كرها. أي طائعا أو مكرها. ولا يقال: طوعا أو كرها بالضم.

وعاشروهن بالمعروف أي: صاحبوهن مصاحبة جميلة.

20- بهتانا أي ظلما.

21- أفضى بعضكم إلى بعض يعني المجامعة. [ ص: 123 ] وأخذن منكم ميثاقا غليظا أي وثيقة. قال ابن عباس: هو تزوجهن على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان .

22- وساء سبيلا أي قبح هذا الفعل فعلا وطريقا. كما تقول: ساء هذا مذهبا. وهو منصوب على التمييز. كما قال: وحسن أولئك رفيقا .

23- وحلائل أبنائكم أزواج البنين.

24- والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم أي حرم عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم من السبايا اللواتي لهن أزواج في بلادهن.

كتاب الله عليكم أي: فرضه الله عليكم.

محصنين متزوجين.

غير مسافحين أي: غير زناة. والسفاح: الزنا. وأصله من سفحت القربة إذا صببتها. فسمي الزنا سفاحا. كما يسمى مذاء لأنه يسافح يصب النطفة وتصب المرأة النطفة ويأتي بالمذي وتأتي المرأة بالمذي. وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يفجر بالمرأة قال لها سافحيني أو ماذيني. ويكون أيضا من صب الماء عليه وعليها.

وآتوهن أجورهن أي أعطوهن مهورهن. [ ص: 124 ]

25- ومن لم يستطع منكم طولا أي لم يجد سعة.

أن ينكح المحصنات يعني الحرائر.

فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات يعني الإماء.

وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات عفائف.

غير مسافحات غير زوان.

ولا متخذات أخدان أي متخذات أصدقاء.

فإذا أحصن أي: تزوجن. وقال بعضهم: أسلمن. والإحصان يتصرف على وجوه قد ذكرتها في كتاب "المشكل" .

فإن أتين بفاحشة أي زنين.

فعليهن نصف ما على المحصنات يعني البكر الحرة. سماها محصنة وإن لم تتزوج لأن الإحصان يكون لها وبها إذا كانت حرة. ولا يكون بالأمة إحصان.

من العذاب يعني الحد. وهو مائة جلدة. ونصفها خمسون على الأمة.

ذلك لمن خشي العنت منكم أي خشي على نفسه الفجور. وأصل العنت: الضرر والفساد .

29- و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير استحقاق. [ ص: 125 ] إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم مثل المضاربة والمقارضة في التجارة فيأكل بعضكم مال بعض عن تراض.

ولا تقتلوا أنفسكم أي: لا يقتل بعضكم بعضا على ما بينت في كتاب "المشكل" .

31- إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم يعني الصغائر من الذنوب.

وندخلكم مدخلا كريما أي: شريفا .

32- ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أي لا يتمنى النساء ما فضل به الرجال عليهن .

للرجال نصيب مما اكتسبوا أي: نصيب من الثواب فيما عملوا من أعمال البر.

وللنساء أيضا نصيب منه فيما عملن من البر.

33- ولكل جعلنا موالي أولياء. ورثة عصبة . [ ص: 126 ] والذين عقدت أيمانكم يريد الذين حالفتم.

فآتوهم نصيبهم من النظر والرفد والمعونة .

34- حافظات للغيب أي: لغيب أزواجهن بما حفظ الله أي: بحفظ الله إياهن.

واللاتي تخافون نشوزهن يعني: بغض المرأة للزوج. يقال: نشزت المرأة على زوجها ونشصت: إذا تركته ولم تطمئن عنده. وأصل النشوز: الارتفاع.

فلا تبغوا عليهن سبيلا أي: لا تجنوا عليهن الذنوب.

35- وإن خفتم شقاق بينهما أي: التباعد بينهما.

* * *

36- والجار ذي القربى القرابة.

والجار الجنب الغريب والجنابة: البعد. يقال: رجل جنب أي غريب. [ ص: 127 ] والصاحب بالجنب الرفيق في السفر .

وابن السبيل الضيف.

و (المختال ذو الخيلاء والكبر.

40- مثقال ذرة أي: زنة ذرة. يقال: هذا على مثقال هذا أي: على وزن هذا، والذرة جمعها ذر وهي أصغر النمل.

يضاعفها أي يؤتي مثلها مرات. ولو قال: يضعفها لكان مرة واحدة.

42- لو تسوى بهم الأرض أي يكونون ترابا، فيستوون معها حتى يصيروا وهي شيئا واحدا.

ولا يكتمون الله حديثا هذا حين سئلوا فأنكروا فشهدت عليهم الجوارح.

43- ولا جنبا إلا عابري سبيل يعني المساجد لا تقربوها وأنتم جنب إلا مجتازين غير مقيمين ولا مطمئنين.

الغائط الحدث. وأصل الغائط: المطمئن من الأرض. وكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوا غائطا من الأرض ففعلوا ذلك فيه. فكنى عن الحدث بالغائط .

فتيمموا أي تعمدوا.

صعيدا طيبا أي ترابا نظيفا. [ ص: 128 ]

44- نصيبا من الكتاب أي حظا.

46- واسمع غير مسمع كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وعلى آله: اسمع لا سمعت.

وراعنا ليا بألسنتهم أراد أنهم يحرفون "راعنا" من طريق المراعاة والانتظار إلى السب بالرعونة. وقد بينت هذا في "المشكل" .

واسمع وانظرنا أي: لو قالوا: اسمع وانظرنا. أي لو قالوا: اسمع ولم يقولوا: لا سمعت وقالوا: انظرنا - أي انتظرنا - مكان راعنا. لكان خيرا لهم والعرب تقول: نظرتك وانتظرتك بمعنى واحد.

47- نطمس وجوها أي: نمحو ما فيها من عينين وأنف وحاجب وفم.

فنردها على أدبارها أي: نصيرها كأقفائهم.

51- ألم تر إلى الذين أوتوا ألم تخبر. ويكون أما ترى أما تعلم وقد بينا ذلك في كتاب "المشكل" .

بالجبت والطاغوت كل معبود من حجر أو صورة أو شيطان فهو جبت وطاغوت .

ويقال إنهما في هذه السورة رجلان من اليهود يقال لأحدهما: حيي بن أخطب وللثاني كعب بن الأشرف. وإيمانهم بهما تصديقهم لهما وطاعتهم إياهما. [ ص: 129 ] وقوله: في سبيل الطاغوت يعني الشيطان.

* * *

53- ( النقير ) النقطة التي في ظهر النواة. يقول: لا يعطون الناس شيئا ولا مقدار تلك النقطة.

(والفتيل القشرة في بطن النواة. ويقال: هو ما فتلته بإصبعيك من وسخ اليد وعرقها.

(القطمير الفوفة التي تكون فيها النواة. ويقال: الذي بين قمع الرطبة والنواة.

* * *

54- أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله يعني بالناس: النبي صلى الله عليه وسلم على كل ما أحل الله له من النساء .

فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما يعني داود النبي عليه السلام وكانت له مائة امرأة; وسليمان وكانت له تسعمائة امرأة وثلثمائة سرية . [ ص: 130 ]

59- وأولي الأمر منكم يعني الأمراء الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث بهم على الجيوش.

فردوه إلى الله بأن تردوه إلى كتابه العزيز، (وردوه إلى الرسول بأن تردوه إلى سنته.

ذلك خير وأحسن تأويلا أي وأحسن عاقبة.

65- فيما شجر بينهم أي: فيما اختلفوا فيه.

ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت أي: شكا ولا ضيقا من قضائك. وأصل الحرج: الضيق.

66- ولو أنا كتبنا عليهم أي: فرضنا عليهم وأوجبنا.

71- ثبات جماعات. واحدتها ثبة. يريد جماعة بعد جماعة .

أو انفروا جميعا أي: بأجمعكم جملة واحدة.

75- وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين أي: وفي المستضعفين بمكة. و (البروج الحصون و (المشيدة المطولة .

78- وإن تصبهم حسنة أي: خصب.

وإن تصبهم سيئة أي: قحط.

يقولوا هذه من عندك أي: بشؤمك. قل كل من عند الله

79- ما أصابك من حسنة أي: من نعمة.

فمن الله وما أصابك من سيئة [ ص: 131 ] أي: بلية.

فمن نفسك أي: بذنوبك. الخطاب للنبي والمراد غيره .

80- فما أرسلناك عليهم حفيظا أي: محاسبا .

81- ويقولون طاعة بحضرتك.

فإذا برزوا من عندك أي: خرجوا.

بيت طائفة منهم غير الذي تقول أي: قالوا وقدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا. قال الشاعر:


أتوني فلم أرض ما بيتوا ...     وكانوا أتوني بشيء نكر



والعرب تقول: هذا أمر قدر بليل وفرغ منه بليل. ومنه قول الحارث بن حلزة:


أجمعوا أمرهم عشاء فلما ...     أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

[ ص: 132 ] وقال بعضهم: بيت طائفة: أي بدل وأنشد:


وبيت قولي عبد الملي ...     ك قاتلك الله عبدا كفورا



83- أذاعوا به أشاعوه.

ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم أي: ذوو العلم منهم.

لعلمه الذين يستنبطونه أي: يستخرجونه إلا قليلا .

85- شفاعة حسنة يكن له نصيب منها من الثواب.

ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها أي: نصيب. ومنه قوله تعالى: يؤتكم كفلين من رحمته

وكان الله على كل شيء مقيتا أي: مقتدرا أقات على الشيء: اقتدر عليه. قال الشاعر:


وذي ضغن كففت النفس عنه ...     وكنت على إساءته مقيتا

[ ص: 133 ] والمقيت أيضا: الشاهد للشيء الحافظ له. قال الشاعر:


ألي الفضل أم علي إذا حو ...     سبت إني على الحساب مقيت



* * *

88- فما لكم في المنافقين فئتين أي فرقتين مختلفتين.

والله أركسهم أي نكسهم وردهم في كفرهم .

وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: "ركسهم" وهما لغتان: ركست الشيء وأركسته.

90- إلا الذين يصلون إلى قوم أي يتصلون بقوم.

بينكم وبينهم ميثاق أي: عهد. ويتصلون ينتسبون، وقال الأعشى - وذكر امرأة سبيت:


إذا اتصلت قالت: أبكر بن وائل ...     وبكر سبتها والأنوف رواغم



أي انتسبت . وفي الحديث "من اتصل فأعضوه" يريد من ادعى دعوى [ ص: 134 ] الجاهلية .

حصرت صدورهم أي ضاقت. والحصر: الضيق.

وألقوا إليكم السلم أي: المقادة. يريد استسلموا لكم.

91- ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم هؤلاء منافقون يعطون المسلمين الرضا ليأمنوهم ويعطون قومهم الرضا ليأمنوهم .

92- إلا أن يصدقوا أي يتصدقوا عليهم بالدية فأدغمت التاء في الصاد.

95- غير أولي الضرر أي: الزمانة. يقال: ضرير بين الضرر.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث