الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه

جزء التالي صفحة
السابق

باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه

6694 حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه [ ص: 74 ]

التالي السابق


[ ص: 74 ] قوله : باب إذا قال عند قوم شيئا ثم خرج فقال بخلافه ) ذكر فيه حديث ابن عمر : ينصب لكل غادر لواء " وفيه قصة لابن عمر في بيعة يزيد بن معاوية ، وحديث أبي برزة في إنكاره على الذين يقاتلون على الملك من أجل الدنيا ، وحديث حذيفة في المنافقين ، ومطابقة الأخير للترجمة ظاهرة ، ومطابقة الأول لها من جهة أن في القول في الغيبة بخلاف ما في الحضور نوع غدر ، وسيأتي في كتاب الأحكام ترجمة ما يكره من ثناء السلطان فإذا خرج قال غير ذلك ، وذكر فيه قول ابن عمر لمن سأله عن القول عند الأمراء بخلاف ما يقال بعد الخروج عنهم : كنا نعده نفاقا ، وقد وقع في بعض طرقه أن الأمير المسئول عنه يزيد بن معاوية كما سيأتي في الأحكام ، ومطابقة الثاني من جهة أن الذين عابوا أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا .

ووقع لابن بطال هنا شيء فيه نظر فقال : وأما قول أبي برزة فوجه موافقته للترجمة أن هذا القول لم يقله أبو برزة عند مروان حين بايعه بل بايع مروان واتبعه ثم سخط ذلك لما بعد عنه ، ولعله أراد منه أن يترك ما نوزع فيه طلبا لما عند الله في الآخرة ولا يقاتل عليه كما فعل عثمان يعني من عدم المقاتلة لا من ترك الخلافة فلم يقاتل من نازعه بل ترك ذلك ، وكما فعل الحسن بن علي حين ترك قتال معاوية حين نازعه الخلافة ، فسخط أبو برزة على مروان تمسكه بالخلافة والقتال عليها فقال لأبي المنهال وابنه [ ص: 75 ] بخلاف ما قال لمروان حين بايع له . قلت : ودعواه أن أبا برزة بايع مروان ليس بصحيح ، فإن أبا برزة كان مقيما بالبصرة ومروان إنما طلب الخلافة بالشام ، وذلك أن يزيد بن معاوية لما مات دعا ابن الزبير إلى نفسه وبايعوه بالخلافة فأطاعه أهل الحرمين ومصر والعراق وما وراءها ، وبايع له الضحاك بن قيس الفهري بالشام كلها إلا الأردن ومن بها من بني أمية ومن كان على هواهم ، حتى هم مروان أن يرحل إلى ابن الزبير ويبايعه فمنعوه وبايعوا له بالخلافة ، وحارب الضحاك بن قيس فهزمه وغلب على الشام ، ثم توجه إلى مصر فغلب عليها ، ثم مات في سنته فبايعوا بعده ابنه عبد الملك وقد أخرج ذلك الطبري واضحا ، وأخرج الطبراني بعضه من رواية عروة بن الزبير وفيه أن معاوية بن يزيد بن معاوية لما مات دعا مروان لنفسه فأجابه أهل فلسطين وأهل حمص فقاتله الضحاك بن قيس بمرج راهط فقتل الضحاك ثم مات مروان وقام عبد الملك ، فذكر قصة الحجاج في قتاله عبد الله بن الزبير وقتله ثم قال ابن بطال : وأما يمينه يعني أبا برزة على الذي بمكة يعني ابن الزبير فإنه لما وثب بمكة بعد أن دخل فيما دخل فيه المسلمون جعل أبو برزة ذلك نكثا منه وحرصا على الدنيا وهو أي أبو برزة في هذه - أي قصة ابن الزبير - أقوى رأيا منه في الأولى أي قصة مروان قال : وكذلك القراء بالبصرة ، لأن أبا برزة كان لا يرى قتال المسلمين أصلا ، فكان يرى لصاحب الحق أن يترك حقه لمن نازعه فيه ليؤجر على ذلك ويمدح بالإيثار على نفسه لئلا يكون سببا لسفك الدماء انتهى ملخصا ومقتضى كلامه أن مروان لما ولي الخلافة بايعه الناس أجمعون ، ثم نكث ابن الزبير بيعته ودعا إلى نفسه ، وأنكر عليه أبو برزة قتاله على الخلافة بعد أن دخل في طاعته وبايعه ، وليس كذلك والذي ذكرته هو الذي توارد عليه أهل الأخبار بالأسانيد الجيدة ، وابن الزبير لم يبايع لمروان قط بل مروان هم أن يبايع لابن الزبير ثم ترك ذلك ودعا إلى نفسه .

الحديث الأول قوله ( لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية ) في رواية أبي العباس السراج في تاريخ عن أحمد بن منيع وزياد بن أيوب عن عفان عن صخر بن جويرية عن نافع " لما انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير وخلعوا يزيد بن معاوية جمع عبد الله بن عمر بنيه " ووقع عند الإسماعيلي من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد في أوله من الزيادة عن نافع " أن معاوية أراد ابن عمر على أن يبايع ليزيد فأبى وقال لا أبايع لأميرين ، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم فأخذها ، فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك أن تبايع ؟ فقال : إن ذاك لذاك - يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة - إن ديني عندي إذا لرخيص ، فلما مات معاوية كتب ابن عمر إلى يزيد ببيعته ، فلما خلع أهل المدينة " فذكره . قلت : وكان السبب فيه ما ذكره الطبري مسندا أن يزيد بن معاوية كان أمر على المدينة ابن عمه عثمان بن محمد بن أبي سفيان ، فأوفد إلى يزيد جماعة من أهل المدينة منهم عبد الله بن غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص المخزومي في آخرين فأكرمهم وأجازهم ، فرجعوا فأظهروا عيبه ونسبوه إلى شرب الخمر وغير ذلك ، ثم وثبوا على عثمان فأخرجوه ، وخلعوا يزيد بن معاوية ، فبلغ ذلك يزيد فجهز إليهم جيشا مع مسلم بن عقبة المري وأمره أن يدعوهم ثلاثا فإن رجعوا وإلا فقاتلهم ، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثا ثم اكفف عنهم . فتوجه إليهم فوصل في ذي الحجة سنة ثلاثين فحاربوه ، وكان الأمير على الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قريش عبد الله بن مطيع وعلى غيرهم من القبائل معقل بن يسار الأشجعي ، وكانوا اتخذوا خندقا ، فلما وقعت الوقعة انهزم أهل المدينة ، فقتل ابن حنظلة ، وفر ابن مطيع ، وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا ، فقتل جماعة صبرا ، منهم معقل بن سنان ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة ويزيد بن عبد الله بن زمعة وبايع الباقين على أنهم خول ليزيد .

وأخرج أبو بكر بن أبي خيثمة بسند [ ص: 76 ] صحيح إلى جويرية بن أسماء ، سمعت أشياخ أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له " إن لك من أهل المدينة يوما ، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته " فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم ، فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه ودعاهم إلى خلع يزيد ، فأجابوه . فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة ، فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة ، فهابهم أهل الشام وكرهوا قتالهم ، فلما نشب القتال سمعوا في جوف المدينة التكبير ، وذلك أن بني حارثة أدخلوا قوما من الشاميين من جانب الخندق ، فترك أهل المدينة القتال ودخلوا المدينة خوفا على أهلهم ، فكانت الهزيمة ، وقتل من قتل وبايع مسلم الناس على أنهم خول ليزيد يحكم في دمائهم وأموالهم وأهلهم بما شاء . وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن رمانة أن معاوية لما حضره الموت قال ليزيد قد وطأت لك البلاد ومهدت لك الناس ولست أخاف عليك إلا أهل الحجاز ، فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني قد جربته وعرفت نصيحته ، قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه فأباحها ثلاثا . ثم دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعبد له قن في طاعة الله ومعصيته . ومن رواية عروة بن الزبير قال : لما مات معاوية أظهر عبد الله بن الزبير الخلاف على يزيد بن معاوية ، فوجه يزيد مسلم بن عقبة في جيش أهل الشام وأمره أن يبدأ بقتال أهل المدينة ثم يسير إلى ابن الزبير بمكة ، قال فدخل مسلم بن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل ، ثم سار إلى مكة فمات في بعض الطريق . وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال : جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة . قال يعقوب : وكانت وقعة الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين .

قوله ( حشمه ) بفتح المهملة ثم المعجمة ، قال ابن التين : الحشمة العصبة والمراد هنا خدمه ومن يغضب له . وفي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أحمد " لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال : أما بعد " .

قوله ( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة ) زاد في رواية مؤمل " بقدر غدرته " وزاد في رواية صخر " فقال هذه غدرة فلان " أي علامة غدرته ; والمراد بذلك شهرته وأن يفتضح بذلك على رءوس الأشهاد ، وفيه تعظيم الغدر سواء كان من قبل الآمر أو المأمور وهذا القدر هو المرفوع من هذه القصة وقد تقدم معناه في " باب إثم الغادر للبر والفاجر " في أواخر كتاب الجزية والموادعة قبيل بدء الخلق .

قوله ( على بيع الله ورسوله ) أي على شرط ما أمر الله ورسوله به من بيعة الإمام ، وذلك أن من بايع أميرا فقد أعطاه الطاعة وأخذ منه العطية فكان شبيه من باع سلعة وأخذ ثمنها ، وقيل إن أصله أن العرب كانت إذا تبايعت تصافقت بالأكف عند العقد ، وكذا كانوا يفعلون إذا تحالفوا ، فسموا معاهدة الولاة والتماسك فيه بالأيدي بيعة . ووقع في رواية مؤمل وصخر " على بيعة الله " وقد أخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع ، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر " .

قوله : ولا غدر أعظم ) في رواية صخر بن جويرية عن نافع المذكور " وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ثم ينكث بيعته " .

[ ص: 77 ] قوله : ثم ينصب له القتال ) بفتح أوله ، وفي رواية مؤمل " نصب له يقاتله " .

قوله ( خلعه ) في رواية مؤمل " خلع يزيد " وزاد " أو خف في هذا الأمر " وفي رواية صخر بن جويرية " فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسعى في هذا الأمر " .

قوله ( ولا تابع في هذا الأمر ) كذا للأكثر بمثناة فوقانية ثم موحدة ، وللكشميهني بموحدة ثم تحتانية .

قوله ( إلا كانت الفيصل بيني وبينه ) أي القاطعة وهي فيعل من فصل الشيء إذا قطعه ، وفي رواية مؤمل " فيكون الفيصل فيما بيني وبينه " وفي رواية صخر بن جويرية " فيكون صيلما بيني وبينه " والصيلم بمهملة مفتوحة وياء آخر الحروف ثم لام مفتوحة القطيعة . وفي هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة ، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لا ينخلع بالفسق ، وقد وقع في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصة الرجل الذي سأله عن قول الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية أن ابن عمر قال " ما وجدت في نفسي في شيء من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمر الله " زاد يعقوب بن سفيان في تاريخه من وجه آخر عن الزهري " قال حمزة فقلنا له : ومن ترى الفئة الباغية ؟ قال : ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم - يعني بني أمية - فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث