الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في سجود التلاوة والشكر

جزء التالي صفحة
السابق

( باب في سجود التلاوة والشكر ) وقدم سجود السهو لاختصاصه بالصلاة ثم التلاوة ؛ لأنه يوجد فيها وخارجها وأخر الشكر لحرمته فيها ( تسن سجدات ) بفتح الجيم ( التلاوة ) للإجماع على طلبها ولم تجب عندنا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم { تركها في سجدة والنجم } متفق عليه وصح عن ابن عمر رضي الله عنه التصريح بعدم وجوبها على المنبر ولا يقوم الركوع مقامها كذا عبروا به وظاهره جوازه وهو بعيد والقياس حرمته وقول الخطابي يقوم شاذ ولا اقتضاء فيه للجواز عند غيره كما هو ظاهر ( وهن في الجديد أربع عشرة ) سجدة ( منها سجدتا ) سورة ( الحج ) لما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه بسند حسن وإسلامه إنما كان بالمدينة قبيل فتح مكة { أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان } وروى مسلم عن أبي هريرة وإسلامه سنة سبع { أنه سجد مع النبي صلى الله عليه وسلم في الانشقاق واقرأ بسم ربك } وخبر ابن عباس { لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة } ناف وضعيف على أن الترك إنما ينافي الوجوب ومحالها معروفة نعم الأصح أن آخر آيتها في النحل { يؤمرون } وقيل { يستكبرون } [ ص: 205 ] وفي النمل { العظيم } وقيل { تعلنون } وانتصر له الأذرعي ورد قول المجموع إنه باطل وفي ص { وأناب } ، وقيل { مآب } وفي فصلت { يسأمون } وقيل { تعبدون } وفي الانشقاق { يسجدون } ، وقيل آخرها .

( تنبيه ) إن قيل لم اختصت هذه الأربع عشرة بالسجود عندها مع ذكر السجود والأمر به له صلى الله عليه وسلم في آيات أخر كآخر الحجر وهل أتى قلنا لأن تلك فيها مدح الساجدين صريحا وذم غيرهم تلويحا أو عكسه فشرع لنا السجود حينئذ لغنم المدح تارة والسلامة من الذم أخرى ، وأما ما عداها فليس فيه ذلك بل نحو أمره صلى الله عليه وسلم مجردا عن غيره ، وهذا لا دخل لنا فيه فلم يطلب منا سجود عنده فتأمله سبرا وفهما يتضح لك ذلك .

وأما { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } فهو ليس مما نحن فيه ؛ لأنه مجرد ذكر فضيلة لمن آمن من أهل الكتاب

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( باب ) في سجود التلاوة ، والشكر في شرح العباب ما نصه : فرع قال في التوسط ذكر في البحر أنه لو نذر سجود التلاوة في غير الصلاة صح أو فيها لم يصح الشرط ، وفي صحة النذر وجهان الأقرب عدم الصحة كنذره صوم يوم العيد قال الأذرعي ولم يتضح التشبيه ا هـ ووجه عدم اتضاحه حرمة الصوم دون السجود إلا أن يحمل على أن مراده سجدة الشكر بدليل التشبيه ا هـ ما في شرح العباب ( قوله : نعم الأصح إلخ ) سئل السيوطي رحمه الله تعالى عن [ ص: 205 ] سجدات التلاوة التي اختلف في محلها كسجدة " حم " هل يستحب عند كل محل سجدة عملا بالقولين فأجاب بقوله لم أقف على نقل في المسألة والذي يظهر المنع ؛ لأنه حينئذ يكون آتيا بسجدة لم تشرع ، والتقرب بسجدة لم تشرع لا يجوز ، بل يسجد مرة واحدة عند المحل الثاني ويجزئه على القولين أما القائل بأنه محلها فواضح وأما القائل بأن محلها الآية قبلها فقراءة آية لا تطيل الفصل ، والسجود على قرب الفصل مجزئ ا هـ أقول إذا سجد عقب انتهائه للمحل الأول صح السجود عند القائل به ولم يصح عند القائل بالمحل الثاني فلو قرأ بعد السجود المحل الثاني وأراد السجود عند القائل به فهل يصح السجود ولا يعد السجود الأول فاصلا مانعا ، أو لا فيه نظر والظاهر أنه لا يعد فاصلا أخذا من قولهم إنه لو تعددت قراءته لآيات السجدات سجد حيث لم يطل الفصل بين قراءة الأولى وسجدتها وظاهره ، أو صريحه أنه لا يضر الفصل بسجود الأولى بالنسبة للثانية ، وقولهم لو تعارض السجود ، والتحية يسجد ولا تفوت التحية ولأن الظاهر ضبطه بما يمنع الجمع من نظائره ا هـ وسئل الجلال السيوطي عما قاله العلماء أنه إنما يسن السجود إذا قرأ ، أو سمع الآية كاملة فإن سمع ، أو قرأ بعضها لم يسن له وقد جزم العلماء الذين عددوا الآي بأن قوله تعالى { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } آية وكذا قوله في حم { فإن استكبروا } إلى { يسأمون } آية فهل إذا قرأ كلا من هاتين يسن له السجود أولا حتى يضم إليهما ما قبلهما وهو قوله { ألا يسجدوا لله } إلى قوله { وما تعلنون } ، وقوله : { ومن آياته الليل } إلى قوله { تعبدون } فأجاب بقوله نعم يسن له السجود ولا يحتاج إلى ضم ما قبل ا هـ وقد يستغرب وينبغي أن يراجع فإنه يتبادر من كلامهم خلافه وأوردته على م ر فتوقف نازع فيه ويكاد يصرح بخلاف ما ذكره الشارح من الخلاف في آخر آياتها في هذه المواضع مثلا الاختلاف في أن آخر آية النمل { رب العرش العظيم } أو { تعلنون } لا يفهم منه إلا أن { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } ليس هو آية السجدة وحده وإلا لم يكن الاختلاف في آخر آية السجدة ، بل في نفسها ، فليتأمل .



حاشية الشرواني

( باب في سجود التلاوة والشكر ) ( قوله وقدم ) إلى قوله وصح في المغني إلى قوله ولا يقوم في النهاية ( قوله لاختصاصه بالصلاة ) أي وما ألحق بها على ما مر من سن سجود السهو في سجدتي التلاوة والشكر مع ما فيه ( قوله بفتح الجيم ) أي لأن السجدة اسم على وزن فعلة وما كان كذلك من الأسماء يجمع على فعلات بفتح العين ومن الصفات على فعلات بالسكون ع ش قول المتن ( تسن سجدات التلاوة ) قال في التوسط ذكر في البحر أنه لو نذر سجود التلاوة في غير الصلاة صح وفيها فأقرب الوجهين عدم الصحة كنذر صوم يوم العيد قال الأذرعي ولم يتضح التشبيه انتهى أي لحرمة الصوم دون السجود إلا أن يحمل على أن مراده سجدة الشكر بدليل التشبيه انتهى شرح العباب ا هـ سم ولعل هذا الحمل متعين وإن كان بعيدا ( قوله على طلبها ) إنما لم يقل على سنها وإن كان هو المناسب للاستدلال ؛ لأن أبا حنيفة يوجبها وسيأتي الإشارة إلى رد دليله رشيدي .

( قوله وضح عن ابن عمر إلخ ) عبارة الأسنى ولقول ابن عمر أمرنا بالسجود يعني للتلاوة فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه البخاري ا هـ زاد المغني وفي النهاية مثله فإن قيل قد ذم الله تعالى من لم يسجد بقوله تعالى { وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } أجيب بأن الآية في الكفار بدليل ما قبلها وما بعدها ( قوله التصريح بعدم وجوبها على المنبر ) أي وهذا منه في هذا الموطن العظيم مع سكوت الصحابة دليل إجماعهم نهاية ( قوله والقياس حرمته ) أي لأنه تقرب بركوع لم يشرع قول المتن ( وهن في الجديد إلخ ) وأسقط القديم سجدات المفصل لخبر ابن عباس الآتي مع جوابه مغني ونهاية قول المتن ( منها سجدتا الحج ) أي واثنتا عشرة في الأعراف والرعد والنمل والإسراء ومريم والفرقان والنمل والم تنزيل وحم السجدة والنجم والانشقاق والعلق وصرح المصنف كأصله بسجدتي الحج لخلاف أبي حنيفة في الثانية مغني .

( قوله لما جاء ) إلى التنبيه في المغني وكذا في النهاية إلا الأقوال الضعيفة في أواخر الآيات ( قوله أقرأني ) أي عد لي أو علمني أو تلا على بجيرمي ( قوله خمس عشرة إلخ ) منها سجدة ص وسيأتي حكمها مغني ( قوله منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان ) خصها بالاستدلال لأن أبا حنيفة يقول ليس في الحج إلا السجدة الأولى وأن مالكا وقولا قديما لنا يرى أن لا سجدة في المفصل أصلا بجيرمي ( قوله وخبر ابن عباس إلخ ) رد لدليل القديم ومالك رضي الله تعالى عنه ( قوله ناف وضعيف ) أي وخبر غيره صحيح ومثبت أسنى ومغني ( قوله نعم الأصح إلخ ) سئلالسيوطي رحمه الله تعالى عن سجدات التلاوة التي اختلف في محلها كسجدة حم

[ ص: 205 ] هل يستحب عند كل محل سجدة عملا بالقولين فأجاب بقوله لم أقف على نقل هذه المسألة والذي يظهر المنع ؛ لأنه حينئذ يكون آتيا بسجدة لم تشرع والتقرب بسجدة لم تشرع لا يجوز بل يسجد مرة واحدة عند المحل الثاني ويجزئه على القولين أما القائل بأنه محلها فواضح ، وأما القائل بأن محلها الآية قبلها فقراءة آية لا تطيل الفصل ، والسجود على قرب الفصل مجزئ سم عبارة ع ش والأولى تأخير السجود خروجا من الخلاف وسئل السيوطي إلخ .

( قوله وفي النمل { العظيم } إلخ ) سئل الجلال السيوطي أن العلماء الذين عدوا الآي جزموا بأن قوله تعالى { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } آية وكذا قوله تعالى { فإن استكبروا } إلى { يسأمون } آية فهل إذا قرأ كلا من هاتين يسن له السجود أو لا حتى يضم إليهما ما قبلهما وهو قوله { ألا يسجدوا } إلى قوله { وما تعلنون } وقوله { ومن آياته الليل } إلى قوله { تعبدون } فأجاب بقوله نعم يسن له السجود ولا يحتاج إلى ضم ما قبل انتهى . وقد يستغرب وينبغي أن يراجع فإنه يتبادر من كلامهم خلافه وأوردته على م ر فتوقف ونازع فيه سم ( قوله أو عكسه ) وهو المدح تلويحا والذم صريحا ولفظة أو للتوزيع ( قوله لأنه مجرد ذكر فضيلة لمن آمن إلخ ) أي فهو مدح لطائفة مخصوصة وكلامنا في مدح عام ولكن يرد على الفرق المذكور { كلا لا تطعه واسجد واقترب } فإنه يسجد لها مع أن فيها أمره صلى الله عليه وسلم تأمل بجيرمي ( قوله فتأمله ) أي تأمل ما عداها و ( قوله سبرا ) أي إحاطة للجميع و ( قوله ذلك ) أي قوله فليس إلخ كردي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث