الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب يسلم حين يسلم الإمام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

803 [ ص: 220 ] 153 - باب

يسلم حين يسلم الإمام

وكان ابن عمر يستحب إذا سلم الإمام أن يسلم من خلفه.

التالي السابق


روى وكيع بإسناده، عن مجاهد ، قال: سألت ابن عمر ، قلت: يسلم الإمام وقد بقي شيء من الدعاء، أدعو أو أسلم؟ قال: لا، بل سلم.

وقد نص الإمام أحمد على هذه المسألة، وأن يسلم مع الإمام ويدع الدعاء، إلا أن يكون قد بقي عليه منه شيء يسير، فيتمه ثم يسلم.

ومذهب سفيان - فيما نقله عنه أصحابه -: إذا سلم الإمام سلم من خلفه، وإن كان بقي عليه شيء من التشهد قطعه.

ولعل مراده: الدعاء بعد التشهد.

ولكن نقل حسان بن إبراهيم ، عن سفيان : أنه قال: إن كان بقي عليه شيء من التشهد فليسلم، فإنه أحب إلي.

واستحب أحمد وإسحاق سلام المأموم عقب سلام الإمام، وجعله أحمد من جملة الائتمام به، وعدم الاختلاف عليه.

والأولى للمأموم أن يسلم عقب فراغ الإمام من التسليمتين، فإن سلم بعد تسليمته الأولى جاز عند من يقول: إن الثانية غير واجبة؛ لأنه يرى أن الإمام قد خرج من الصلاة بتسليمته الأولى، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبة، لا يخرج من الصلاة بدونها.

واختلف أصحاب الشافعي : هل الأفضل أن يسلم المأموم بعد تسليمة الإمام الأولى، أو بعد تسليمته الثانية ؟ على وجهين.

وقال الشافعي - في " البويطي " -: من كان خلف إمام، فإذا فرغ الإمام [ ص: 221 ] من سلامه سلم عن يمينه وعن شماله.

وهذا يدل على أنه لا يسلم إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين، ويدل - أيضا - على أنه لا يستحب للمأموم التخلف عن سلام الإمام، بل يسلم عقب سلامه.

وهذا على قول من قال من أصحابه - كالمتولي -: إنه يستحب للمأموم أن يسلم بعد فراغ الإمام من التسليمة الأولى - أظهر.

وقال القاضي أبو الطيب الطبري منهم: المأموم بالخيار، إن شاء سلم بعده، وإن شاء استدام الجلوس للتعوذ والدعاء وأطال ذلك، وعلل: أنه قد انقطعت قدوته بالإمام بسلامه.

وهذا مخالفة لنص الشافعي ، وعامة أصحابه، وللمأثور عن الصحابة.

ولو سلم المأموم مع تسليم إمامه، ففي بطلان صلاته لأصحابنا وأصحاب الشافعي وجهان، سبق ذكرهما عند ذكر متابعة المأموم للإمام.

والأصح عندنا وعندهم: أنه لا تبطل صلاته، كما لو قارنه في سائر الأركان، سوى تكبيرة الإحرام.

ومذهب مالك : البطلان.

وقد استحب طائفة من السلف التسليم مع الإمام.

وروى وكيع في " كتابه "، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يسلم مع تسليم الإمام.

وبإسناده، عن إبراهيم ، قال: إن شئت سلمت معه، وإن شئت سلمت بعده.

[ ص: 222 ] وعن عطاء ، أنه كان ربما سلم مع تسليمه، وربما سلم بعده.

وقد يحتمل أن يكون مراد هؤلاء السلف بالسلام معه: السلام عقيبه، من غير مهلة، وبالسلام بعده: التأخر عنه. والله أعلم.

وقد وقع في كلام المتقدمين في إسلام الزوجين معا ما يدل على أن مرادهم به: اجتماعهما في الإسلام في مجلس واحد، أو يوم واحد، وفيه حديث مرفوع يشهد لذلك.

وإن سلم المأموم قبل سلام إمامه لم يجز، وبطلت صلاته إن تعمد ذلك ولم ينو مفارقته على وجه يجوز معه المفارقة، إلا عند من يرى أن السلام ليس من الصلاة، ويخرج منها بإنهاء التشهد، أو بدون تشهد عند من يرى أن التشهد الأخير سنة.

لكن من قال منهم: لا يخرج من الصلاة إلا بالإتيان بالمنافي، فإنه لا يجيز للمأموم أن يخرج من الصلاة قبل خروج إمامه بذلك.

وظاهر ما روي عن ابن مسعود يدل على جوازه، وأنه يخرج من الصلاة بإنهاء التشهد، وقد تقدم قوله: فإذا قلت ذلك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد.

وروي ذلك عن علي صريحا، فروى عبد الرزاق في " كتابه "، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال: إذا تشهد الرجل وخاف أن يحدث قبل أن يسلم الإمام فليسلم، فقد تمت صلاته.

وقد رواه الحكم ، عن عاصم ، عن علي ، ولفظه: إذا جلس مقدار التشهد، ثم أحدث، فقد تمت صلاته.

فيكون أمره بالمبادرة بالسلام على وجه الاستحباب، فإنه لو أحدث لم تبطل صلاته عنده.

[ ص: 223 ] وقد حكي مذهب أبي حنيفة مثل ذلك. والله أعلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث