الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قضايا جامعة في مسألة الرؤية

جزء التالي صفحة
السابق

قضايا جامعة في مسألة الرؤية : ( 1 ) إن إثبات رؤية الرب - تعالى - في الدار الآخرة المخالفة لهذه الدار في شئونها وشئون أهلها وسنن الله - تعالى - فيهما بالقيود التي قيدها بها المثبتون لها من تنزيهه - تعالى - عن مشابهة خلقه - ليس من المحالات العقلية الثابتة بالضرورة ، وإلا لما وقع فيها خلاف ألبتة ، ولا بالبراهين [ ص: 121 ] العقلية التي تنتهي إلى الضرورة ، وإلا لارتفع الخلاف فيها بين حذاق النظار عند وصول البرهان إلى هذا الحد ، ولم يقع هذا ولا ذاك .

( 2 ) إن الآيات القرآنية فيها ليست نصوصا قطعية الدلالة في الإثبات وحده ولا في النفي وحده ، وإلا لما وقع الخلاف فيها ألبتة ، وقد وقع هذا الخلاف فيها بين قليل من السلف ، وكثير من الخلف ، ففهم عائشة لآية الأنعام ومجاهد لآية القيامة مخالف لرأي جمهور أهل السنة - فعلم أنها غير قطعية الدلالة بحيث لا يحتمل إلا أحد الوجهين ؛ فهي إذن ظنية ، والترجيح فيها بين ما ظاهره الإثبات وما ظاهره النفي محل الاجتهاد ، ولا شك في أن كلا من المثبتين والنفاة يعتقد صحة ترجيحه نظرا واستدلالا ، أو اتباعا وتقليدا . فالمسألة بينهما مشتركة الإلزام ، فلا وجه لطعن أحد منهما في دين الآخر ، ولا في علمه بها .

( 3 ) إن في الأحاديث الصحيحة من التصريح في إثبات الرؤية ما لا يمكن المراء فيه ، ولكن المراد من هذه الرؤية غير قطعي ، وفيها ما قد يدل على عدم الرؤية ، فيأتي فيها الخلاف بين السلف والخلف حتى من المنسوبين منهم إلى السنة ، كالأشعرية بين التفويض والتأويل ؛ لأنها بحسب اصطلاحهم من النصوص الموهمة للتشبيه ، وقد قال صاحب جوهرة التوحيد من الأشعرية :

وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها

( 4 ) إن جمهور السلف والحنابلة وأكثر أهل الحديث يفوضون في جملة النصوص الواردة في صفات الله - تعالى - وشئونه وأفعاله ، بمعنى أنهم يمرونها كما جاءت من غير تحكم في تأويل يخرجها عن ظواهر معانيها ، وينزهونه سبحانه عن مشابهة خلقه فيما أطلق عليهم من مثل تلك الألفاظ الدالة على تلك الصفات والشئون والأفعال ، وإن جمهور الخلف من سائر الفرق يتأولون ما عدا صفات المعاني ، كالعلم والقدرة والإرادة حتى الأشعرية من أهل السنة ، وإنما تراهم أقرب إلى السلف في المسائل الكبرى التي اختلفوا فيها مع المعتزلة كالكلام الإلهي ، ورؤية الرب - سبحانه وتعالى - ، وقد شنع بعضهم على الحنابلة بأشد ما يشنعون به على المعتزلة ، ولكنهم لاتفاقهم على كون أحمد بن حنبل من كبار أئمة السنة يسلونه ممن يشنعون عليهم من أتباعه سلا ، ويبرئونه من أقوالهم فرعا وأصلا .

( 5 ) إن من أصح الشواهد على ما ذكرنا في هذه القضايا العامة ما رواه الشيخان عن مسروق عن عائشة واللفظ لمسلم قالت : " ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية . قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية - قال مسروق : وكنت متكئا فجلست فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله - عز وجل - : ولقد رآه بالأفق المبين ( 81 : 23 ) ولقد رآه نزلة أخرى [ ص: 122 ] ( 53 : 13 ) فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض . فقالت أو لم تسمع أن الله يقول : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( 6 : 103 ) أو لم تسمع أن الله يقول : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ( 42 : 51 ) ؟ قالت : ومن زعم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ( 5 : 67 ) قالت : ومن زعم أنه يخبر بما يكون فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ( 27 : 65 ) .

فعائشة وهي من أفصح قريش تستدل بنفي الإدراك على نفي الرؤية مع ما علم من الفرق بينهما ، وتستدل على نفيها أيضا بقوله - تعالى - : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب وقد حملوا هذا وذاك على نفي الرؤية في هذه الحالات الدنيا ، ولكن إدراك الأبصار للرب - سبحانه - محال في الآخرة كالدنيا ، والتعليل الصحيح لمثبتي الرؤية في الآخرة دون الدنيا أن البشر لا يقوى خلقه الدنيوي المعد للفناء ، ولا يطيق رؤية الرب - تعالى - كما تقدم ، ويقويه بعض الشواهد الأخرى ، وفي بحث ذكرناه في الفتوى .

( 6 ) ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - قال : " قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخمس كلمات فقال : إن الله - عز وجل - لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل . حجابه النور - وفي رواية النار . لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " والمعنى : أن النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبين خلقه ، وهو بقوته وعظمته ملتهب كالنار ؛ ولذلك رأى موسى - عليه السلام - عند ابتداء الوحي نارا في شجرة توجه همه كله إليها فنودي بالوحي من ورائها ، وفي التوراة أن الجبل كان في وقت تكليم الرب لموسى - عليه السلام - وإيتائه الألواح مغطى بالسحاب [ ص: 123 ] " وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل " خروج ( 24 : 17 ) .

ورأى النبي الخاتم الأعظم - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج نورا من غير نار ، وربما كان هذا أعلى ، ولكنه كان حجابا دون الرؤية أيضا ، فقد سأله أبو ذر - رضي الله عنه - " هل رأيت ربك ؟ فقال : نور ، أنى أراه " وفي رواية أخرى " رأيت نورا " ومعناهما معا رأيت نورا منعني من رؤيته لا أنه - تعالى - نور ، وأنه لذلك لا يرى ، وهذا يتلاقى ويتفق مع قوله " حجابه النور " ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهدا واحدا في موضوعنا ، وهي تدل على عدم رؤية ذات الله - عز وجل - وامتناعها ، كما تمتنع رؤية شيء تكون الشمس دونه حجابا له ، فمن ذا الذي تنفذ أشعة نور بصره من نور الشمس ونارها إلى ما وراءها فتبصره ؟ وما هذه الشمس التي يراها على بعد قدره علماء الهيئة الفلكية بأكثر من تسعين مليون ميل ، وسائر الشموس الكثيرة التي يرونها بالمناظير المقربة للأبعاد ، والتي لا يرونها إلا بعض ما أفاضه - تعالى - من النور على خلقه ، وهو نور السماوات والأرض ، وسبحات نور وجهه أعظم وأقوى وأجل وأعلى ، فلا تذكر معها أنوار الشموس إلا من باب ضرب المثل الذي ورد ولله المثل الأعلى ( 16 : 60 ) .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " يدل على أن رؤية ذاته - عز وجل - رؤية إدراك مما يمتنع على جميع الخلق حتى الملائكة في الملأ الأعلى لا في الدنيا فقط ؛ لأن الوجه يعبر به عن الذات وفسروا وجه الله بذاته ، وإن كان في أصل اللغة ما يواجه به الشخص غيره ، وفيه معارفه ؛ أي : ما يعرف به ويمتاز عن غيره . ومعنى الجملة : أنه - تعالى - لو كشف عن وجهه حجاب النور المخلوق الذي هو منتهى ما يصل إليه أكمل البشر عند ارتقائهم إلى أعلى درجات المعرفة والعلم به - عز وجل - وتجلى - سبحانه - للخلق كافة بدون هذا النور الذي يحجبهم عنه ، لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره منهم ؛ أي : لأحرقتهم كلهم فإن بصره - تعالى - محيط بكل موجود في العالم كله من سمائه وأرضه ، وهو ضرب مثل ، خلاصته : أن آخر ما يصل إليه العلم هو اكتشاف الحجاب الأخير الذي هو الفاصل بين المخلوق والخالق ، وهو النور الذي هو مبتدأ التكوين ومصدر التطور والتلوين .

قال الله - تعالى - : ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ( 71 : 13 ، 14 ) وخلق الناس وكذا سائر المخلوقات أطوارا ، قد فصل في علوم سنن الله في التكوين ؛ ففي خلق الإنسان من ذكر وأنثى أطوارا ، وفي خلقه قبل ذلك من سلالة من طين أطوار ، وفي التكوين الأول للأرض التي خلق منها أطوار ، وهي بعد المادة التي خلق منها السماوات [ ص: 124 ] والأرض المشار إليها بقوله : أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ( 21 : 30 ) وقوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ( 41 : 11 ) إلخ . والظاهر أن هذه المادة المعبر عنها أو المشبهة بالدخان في هذه الآية هي المشبهة بالغمام المشابه للدخان في قوله - تعالى - : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ( 2 : 210 ) فهذا كلام عن إعادة الخلق يوم القيامة وهي النشأة الأخرى ، وذاك كلام في بدئه وهي النشأة الأولى وقد قال - تعالى - : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ( 29 : 20 ) وقال كما بدأنا أول خلق نعيده ( 21 : 104 )

إذا تذكرت هذا فاعلم أن كل ما يشغل عن معرفة الله - تعالى - ومراقبته من أطوار الخلق وشئونه فهو حجاب له عنه ، فالحجب بين العبد والرب كثيرة ، وطوبى لمن آمن وعرف أن له ربا ، وأن هذه المخلوقات حجب دونه ، وأنه فوقها بائن منها لا تشبهه ولا يشبهها ، فإنها حينئذ قد تكون من وسائل معرفته وشكره ومحبته ، ولا تكون حجبا إلا دون إدراك كنهه وحقيقته ، وأن من الناس من تكون حجبا له دون الإيمان والمعرفة ، وسيأتي الفرق بين الفريقين في شاهد آخر ، وقد روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس - رضي الله عنه - مرفوعا " سألت جبريل هل ترى ربك ؟ قال إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور ، ولو رأيت أدناها لاحترقت " ورواه عنه سمويه بلفظ : " سبعين ألف حجاب من نور ونار " وفي النهاية لابن الأثير أن جبريل - عليه السلام - قال : " لله دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربنا " وهذه الروايات صحيحة المعنى ، وإن كانت ضعيفة الإسناد لما يؤيدها من الصحاح . وعلماء الهيئة الفلكية يرون بما اكتشفوه بمناظيرهم المكبرة عيانا أن أكثر هذه النجوم التي نراها أو ما عدا الدراري والأقمار منها كلها شموس ، منها ما هو أعظم من شمس عالمنا هذا وأبعد منها بسنين كثيرة من سني سير النور الذي يقطع به زهاء مائة مليون ميل في أقل من عشر دقائق ، والنصوص تدل على أنها كلها دون العرش .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث