الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


731 692 - وذكر مالك أيضا عن يحيى بن سعيد ، وعبد الله بن أبي بكر ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ; أن الوليد بن عبد الملك سأل سالم بن عبد الله ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، بعد أن رمى الجمرة وحلق رأسه ، وقبل أن يفيض ، عن الطيب ، فنهاه سالم . وأرخص له خارجة بن زيد بن ثابت .

التالي السابق


15426 - قال أبو عمر : لم يختلف عن خارجة فيما حكاه عنه مالك في موطئه ، واختلف عن سالم فروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن سالم بن عبد الله - وربما قال : عن أبيه ، وربما لم يقل - قال عمر : إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب .

15427 - قال إسماعيل بن إسحاق جاء عن عائشة : أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله بعد أن رمى الجمرة ، وقبل أن يطوف .

15428 - قال سالم : وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع .

15429 - قال أبو عمر : راعى مالك الخلاف في هذه المسألة فلم ير بعد رمي [ ص: 66 ] الجمار الفدية ، وقبل الإفاضة .

15430 - قال أبو ثابت : قلت لابن القاسم : أكان مالك يكره أن يتطيب إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض ؟ قال : نعم . قلت : فإن فعل أترى عليه الفدية ؟ قال : لا أرى عليه شيئا لما جاء في ذلك .

15431 - قال مالك : لا بأس أن يدهن الرجل بدهن ليس فيه طيب قبل أن يحرم ، وقبل أن يفيض بالزيت والبان غير المطيب مما لا ريح له .

15432 - قال : والفرق في التطيب بين الجاهل ، والعاقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة ، وغسل الصفرة ، ولم يأمره بفدية ، ولو كانت عليه فدية لأمر بها كما أمره بنزع الجبة .

15433 - وفي هذه القصة رد على من زعم من العلماء أن الرجل إذا أحرم وكان عليه قميص كان له أن يشقه ، وقالوا : لا ينبغي أن ينزعه كما ينزع الحلال قميصه ; لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه ، وذلك لا يجوز له : فلذلك أمر بشقه .

15434 - وممن قال بذلك : الحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وأبو قلابة ، وسعيد بن جبير على اختلاف عنه .

15435 - وحجتهم ما رواه عبد الرزاق ، عن داود بن قيس ، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة أنه سمع ابني جابر بن عبد الله يحدثان عن أبيهما ، قال : بينما [ ص: 67 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - جالس مع أصحابه شق قميصه حتى خرج منه فقيل له ؟ فقال : واعدتهم يقلدون هديي اليوم فنسيت .

15436 - ورواه أسد بن موسى ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن عطاء بن عبد الملك ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزاد : " فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي " .

وكان بعث ببدنه ، وأقام بالمدينة .

15437 - وقال جمهور فقهاء الأمصار : ليس على من نسي فأحرم وعليه قميصه أن يخرقه ولا يشقه .

15438 - وهو قول عطاء ، وطاوس ، وبه قال مالك وأصحابه ، والشافعي وأصحابه ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والثوري ، وسائر فقهاء الأمصار أصحاب الرأي والآثار .

15439 - واحتجوا بحديث يعلى بن أمية في قصة الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزعها .

15440 - ولا خلاف بين أهل الحديث أنه حديث صحيح ، وحديث جابر الذي يرويه عبد الرحمن بن عطاء ضعيف لا يحتج به . وهو مردود أيضا بحديث عائشة أنها قالت : كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يقلده ويبعث به ولا [ ص: 68 ] يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي .

15441 - وإن كان جماعة من العلماء قالوا : إذا أشعر هديه أو قلده فقد أحرم .

15442 - وقال آخرون : إذا كان يريد بذلك الإحرام .

15443 - قال أبو عمر : ليس نزع القميص بمنزلة اللباس ، لأن المحرم لو حمل على رأسه شيئا لم يعد ذلك كلباس القلنسوة . وكذلك من تردى بإزار أو جربه بدنه لم يحكم له بحكم لباس المخيط .

15444 - وهذا يدل أنه إنما هو نهي عن لباس القلنسوة بالإحرام اللباس المعهود ، وعن لباس الرجل القميص اللباس المعهود ، وأن النهي إنما وقع في ذلك ، وقصد به إلى من تعمد فعل ما نهي عنه في إحرامه من اللباس المعهود في حال إحلاله .

15445 - وقوله " اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك " ، فإنما أراد : من غسل الطيب ، ونزع المخيط .

وهذا أوضح من أن يتكلم فيه .

[ ص: 69 ] 15446 - وأما قول مالك في آخر الباب عن طعام فيه زعفران ، هل يأكله المحرم ؟ فقال : أما ما تمسه النار من ذلك فلا بأس به أن يأكله المحرم . وأما ما لم تمسه النار من ذلك فلا يأكله المحرم .

15447 - قال أبو عمر : اختلف العلماء في هذه المسألة .

15448 - فقال مالك : إن المحرم لا يمس طيبا .

15449 - فجملة قول مالك أن المحرم لا يمس طيبا ولا يشمه ولا يصحب من يجد منه ريح طيب ولا يجلس إلى العطارين .

15450 - قال مالك : وأرى أن يقام العطار من بين الصفا والمروة وأن لا نخلق الكعبة .

15451 - ومذهبه أن من مس طيبا وانتفع به افتدى .

15452 - قال مالك : ولا بأس أن يأكل المحرم الخبيص والطعام الذي [ ص: 70 ] طبخت زعفرانته النار .

15453 - قال أبو حنيفة : يكره للمحرم مس الطيب وشم الريحان فإن شم الطيب فلا فدية عليه ، تعلق بيده منه شيء أم لا ، ولا بأس أن يأكل المحرم عنده الخبيص ، والطعام الذي طبخت زعفرانته النار كقول مالك .

15454 - وقال الشافعي ، والأوزاعي : لا بأس أن يشم المحرم الطيب وأن يجلس إلى العطارين .

15455 - وللشافعي أقاويل فيما مسته النار من الزعفران في الخبيص والطعام أحدها مثل قول مالك . والآخر إن كان يصبغ اللسان فعليه الفدية .

15456 - ذكره المزني عنه .

15457 - وقال في الأم والمختصر : إن وجد له ريح أو لون أو طعم فعليه الفدية ، وإن لم يكن إلا اللون وحده فلا فدية فيه بمنزلة العصفر إذا غسل .

15458 - قال أبو عمر : روي عن عطاء ، ومجاهد والأسود بن يزيد ، ونافع مولى ابن عمر ، وسعيد بن جبير ، وجابر بن زيد ، وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يرخصون في الخبيص والجوارشنات الأصفر إذا مسته النار للمحرم .

[ ص: 71 ] 15459 - وعن عطاء في الجوارشنات والخبيص إذا لم يجد طعمه ولا ريحه فلا بأس به .

15460 - وذكره عبد الرزاق ، قال : أخبرنا محمد بن مسلم ، قال : حدثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه أنه كره للمحرم طعام فيه زعفران .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث