الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكر الشهرستاني في نهاية الإقدام أن الفطرة تشهد بوجود الله تعالى

كما ذكر الشهرستاني في كتابه المعروف بنهاية الإقدام في قاعدة التعطيل قال: (قد قيل: إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى: منها: تعطيل الصنع عن الصانع. ومنها: تعطيل الصانع عن الصنع. ومنها: تعطيل الباري عن الصفات الأزلية الذاتية ومنها تعطيل الباري عن الصفات الأزلية القائمة بذاته. ومنها: تعطيل الباري عن الصفات والأسماء أزلا. ومنها: تعطيل ظواهر الكتاب والسنة عن المعاني التي دلت عليها) .

ثم قال. أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية: أنهم قالوا: كان [ ص: 397 ] العالم في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة فاصطكت اتفاقا، فحصل منها العالم بشكله الذي تراه عليه، ودارت الأكوار وكرت الأدوار، وحدثت المركبات) .

قال: (ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البخت والاتفاق، احترازا عن التعطيل، فما عدت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت - بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها - على صانع حكيم، قادر عليم: أفي الله شك [سورة إبراهيم: 10]، ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [سورة الزخرف: 87] [ ص: 398 ] ، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم [سورة الزخرف: 9].

قال: وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء، فلا شك أنهم يلوذون إليها في حال الضراء: دعوا الله مخلصين له الدين [سورة يونس: 22]، وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [سورة الإسراء: 67].

ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فاعلم أنه لا إله إلا الله [سورة محمد: 19]، ولهذا جعل محل النزاع بين الرسل وبين الخلق في التوحيد ونفي الشريك ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا [سورة غافر: 12]، وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [سورة الزمر: 45] وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا [سورة الإسراء: 46]. [ ص: 399 ]

قال: (وقد سلك المتكلمون طريقا في إثبات الصانع، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع، وسلك الأوائل طريقا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان، ويدعي كل واحد من جهة الاستدلال ضرورة وبديهة) .

قال: (وأنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه بعد تقديم المقدمات، دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج ذاته إلى مدبر، هو منتهى مطلب الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويفزع إليه في الشدائد والمهمات، فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب، [ ص: 400 ] والحادث إلى المحدث، وعن هذا المعنى كانت تعريفات الحق سبحانه في التنزيل على هذا المنهاج.

أمن يجيب المضطر إذا دعاه [سورة النمل: 62]. قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر [سورة الأنعام: 63]، ومن يرزقكم من السماء والأرض [سورة النمل: 64]، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده [سورة النمل: 62].

قال: (وعن هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: خلق الله العباد على معرفته، فاجتالتهم الشياطين عنها ، فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاجتيال من الشيطان هو تسويله الاستغناء ونفي الحاجة، والرسل مبعوثون لتذكير وضع الفطرة وتطهيرها من تسويلات الشياطين [ ص: 401 ] فإنهم الباقون على أصل الفطرة، وما كان له عليهم من سلطان: فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى [سورة الأعلى: 9 ، 10]، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [سورة طه: 44].

ومن رحل إلى الله قربت مسافته، حيث يرجع إلى نفسه أدنى رجوع، فيعرف احتياجه إليه في تكوينه، وبقائه وتقلبه في أحواله وأنحائه، ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، ثم استشهد به على الملكوت، لا بالملكوت عليه: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [سورة فصلت: 53]، عرفت الأشياء بربي، وما عرفت ربي بالأشياء، ومن غرق في بحر المعرفة، لم يطمع في شط، ومن تعالى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حط، فثبت بالدلائل والشواهد أن العالم لم يتعطل عن الصانع الحكيم، العالم القدير، تعالى وتقدس) .

وقال أيضا في أول كتابه: (قد أشار إلي من إشارته [ ص: 402 ] غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول، لحسن ظنه بي أني وقفت على نهايات مسارح النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم.


لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم     فلم أر إلا واضعا كف حائر
... على ذقن أو قارعا سن نادم



فلكل عقل مسرى ومسرح، هو سدرته المنتهى، ولكل قدم محط ومجال، هو غايته القصوى، إذا وصل إليها ووقف دونها، فيظن الناظر أولا، أن ليس وراء مرتبته مطاف لطيف الخاطر، ولا فوق درجته مطرح لشعاع الناظر، ويتيقن آخرا أن مطار الأفكار، إنما يتعلق بذوات المقدار، وجناب العزة لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) . [ ص: 403 ]

إلى أن قال: (وإذا كان لا طريق إلى المطلوب من المعرفة إلا الاستشهاد بالأفعال، ولا شهادة للفعل إلا من حيث احتياج الفطرة واضطرار الخلقة، فحيثما كان الاضطرار والعجز أشد، كان اليقين أوفر وآكد: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه [سورة الإسراء: 67]، لا جرم: أمن يجيب المضطر إذا دعاه [سورة النمل: 62].

والمعارف التي تحصل من تعريفات أحوال الاضطرار، أشد رسوخا في القلب من المعارف التي هي نتائج الأفكار، في حال الاختيار) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث