الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وأما ما يحدثه من الكفر والفسوق والعصيان

فصل

وأما ما يحدثه من الكفر والفسوق والعصيان، فهو أيضا محمود عليه حمد المدح وحمد الشكر.

* أما حمد المدح، فعام.

* وأما حمد الشكر، فلأن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ لأنه مأمور بإنكارها إذا وقعت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، [ ص: 389 ] رواه مسلم وغيره، ومأمور أن يجاهد فيها بحسب الإمكان.

فإذا حصل له ثواب المجاهدين فيحمد الله على ما وفقه له من إنكارها والجهاد عليها، وعلى أنه خلق ما يكون سببا للجهاد الذي يثاب العبد عليه.

فإن كان ذلك الكفر والفسوق والعصيان فيه ضرر على الإنسان، إما في دينه أو دنياه:

* أما في دينه، فمثل أن يكون ذلك مما يفتنه في قلبه، أو يمنعه أن يقوم بواجب دينه أو مستحبه، فيجلب له في دينه ذنبا وترك حسنة، فهذا يكون حينئذ ما حصل له من باب الذنوب التي يجب عليه أن يتوب منها، ويستعين الله على فعل ما أمر وترك ما حظر.

كما إذا حصلت له الأسباب الداعية إلى الفواحش والظلم وغير ذلك، فإن عصمه الله وأعانه ووفقه لطاعته في ذلك كان نعمة، وإلا كان ما أصابه من نفسه، كما تقدم من الذنوب وعقوباتها.

وهذه الحال -حال المحنة- لا يثبت كونها نعمة أو ليست بنعمة إلا باعتبار العاقبة، فإن وفق فيها لما يحبه الله ويرضاه فهي نعمة، وإن عمل فيها بمعصيته كان حكمه حكم أمثاله.

* وأما الضرر في دنياه، مثل أن يجرح المجاهد ويؤخذ ماله، أو مثل أن يضرب أو يشتم، ونحو ذلك، فهذا يكفر الله بهذه المصيبة خطاياه، ويؤجر [ ص: 390 ] على هذه المصائب؛ لأنها حصلت بسبب جهاده، فهي مما تولد عن عمله، وما يتولد عن عمله الصالح أثيب عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله.

قال تعالى: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح [التوبة: 121]، فأخبر تعالى أنه يكتب لهم عمل صالح بما يصيبهم من الظمأ والجوع والتعب الذي يحصل بسبب الجهاد في سبيل الله عز وجل.

وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصل بدون ذلك، فلا يثاب إلا على الصبر عليه؛ فإنه ليس من عمله، ولا تولد عن عمل صالح، لكن هو من المصائب التي يكفر الله بها خطاياه.

وهذا هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها، والمصائب التي لا يثاب [ ص: 391 ] عليها، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة، ومن العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما يثاب على الصبر عليها؛ لأن الثواب إنما يكون على فعل العبد، لا على فعل الله فيه، وهكذا روي حديث أبي عبيدة بن الجراح لما عادوه، وقالوا: له أجر، فقال: «ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حطة يحط الله به الخطايا».

وفصل الخطاب أن المصائب إن تولدت عن عمل صالح، كما تتولد عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يثاب عليه؛ فإن [ ص: 392 ] الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولد عن عمله إذا أقدم على احتماله؛ فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله عز وجل.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، والخلوف يتولد عن صومه بغير اختياره.

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من كلم يكلم في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك».

والدم الذي يخرج من جرح المريض ليس هكذا، ولا الخلوف الذي يحصل بجوع الاضطرار ليس هكذا.

ولهذا رتب الله الجزاء على الأذى في سبيله، فقال: فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي الآية [آل عمران: 195]، فجعل كونهم أوذوا في سبيله مقرونا بكونهم هاجروا، وكذلك كونهم أخرجوا، فالإخراج والأذى فعل الكافرين بهم، فأثابهم الله على ذلك؛ أن ذلك حصل بسبب إيمانهم الذي كان باختيارهم.

فمن فعل فعلا صالحا باختياره، وأوذي عليه، واحتسب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثاب عليه، كالصائم إذا احتسب جوعه وعطشه، والقائم بالليل إذا احتسب تعبه وسهره، فإن الأذى الذي [ ص: 393 ] يحصل باختيارك في طاعة الله أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره، فإن ذلك أذاه مصيبة محضة، ولكن هي حق له على الظالم.

وأما الذي حصل له أذى باختياره، فإن كان من الله، كالجوع والعطش، فهذا أجره فيه على الله.

وإن كان من عدوه، كشتمه، وضربه، وإخراجه من داره، وأخذ ماله، ولعنه، وسبه، وكذبه عليه، ونحو ذلك، فهذا النوع أعظم الأذى أجرا؛ فإن هذا من الله، وفي سبيل الله، وفيه حق الله والآدمي:

أما حق الله، فلكونهم فعلوا ذلك بسبب طاعته؛ فإن هذا فعل من يصد عن طاعة الله ويأمر بمعصية الله.

وأما حق الآدمي، فلكونه أوذي بغير حق، كما قال تعالى: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج: 39 – 40].

وهذا أعظم ما يؤجر عليه المؤمن من المصائب.

وهي من أعظم النعم في حقه إذا رزق الصبر والشكر؛ فإن شكر مثل هذه يتوقف على كونه يعرف الإيمان، ويعرف أنه نعمة، ويعرف أن الأمر به وجهاد مخالفه نعمة، ويعرف أن أذاه في ذلك نعمة. [ ص: 394 ]

ومعرفة هذه النعم والعمل بها إنما هو لخواص العباد؛ فإن كثيرا من الناس لا يعرف النعمة إلا ما يتلذذ به من دنياه، كما قال بعض السلف: «من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه».

وهؤلاء منهم من يرى النعمة في بدنه فقط، كالأكل، والشرب، والنكاح. ومنهم من يرى النعمة في الرياسة، والجاه، ونفاذ الأمر والنهي، وقهر الأعداء. ومنهم من يرى النعمة في جمع الأموال والقناطير المقنطرة.

وهؤلاء من جنس الكفار، بل الكفار يرون هذه نعما، ويعلمون أن الله أنعم بها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث