الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رد ابن حزم على من أوجب الاستدلال

قال ابن حزم: (فاحتج من أوجب الاستدلال بالإجماع على أن التقليد مذموم، وما لم يعرف بالاستدلال فهو تقليد) . (قالوا والديانات لا يعرف حقها من باطلها بالحس، لا يعلم إلا بالاستدلال، ومن لم يحصل له العلم فهو شاك، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما حكاه عن المسؤول في قبره. قال: فأما المؤمن - أو الموقن - فيقول: هو عبد الله ورسوله، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.

وقال في الجواب: (التقليد أخذ المرء قول من هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم ممن لم يأمرنا الله باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك. وأما أخذ قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي [ ص: 410 ] فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدا، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله) .

قال: (فموه هؤلاء الذين أطلقوا على الحق - الذي هو اتباع الحق - اسم التقليد، الذي هو باطل. والقرآن إنما هو ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعهم أصلا) .

قال: (وأما احتجاجهم بأنه لا تعرف الأشياء إلا بالدلائل، وبأن ما لم يصح به دليل فهو دعوى، ولا فرق بين الصادق والكاذب بنفس قولهما، فإن هذا ينقسم قسمين. فمن كان من الناس تنازعه نفسه إلى تصديق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يسمع الدلائل، فهذا فرض عليه طلب الدليل، إلا أنه مات شاكا أو جاحدا قبل أن يسمع من البرهان ما تثلج به نفسه، فقد مات كافرا، وهو مخلد في النار، بمنزلة من لم يؤمن ممن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأى المعجزات، فهذا أيضا لو مات قبل أن يرى المعجزات مات كافرا بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام، وإنما أوجبنا على من هذه صفته طلب البرهان، لأن فرضا عليه طلب ما فيه نجاته من الكفر. والقسم الثاني: من استقرت نفسه إلى تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه [ ص: 411 ] وسلم، وسكن قلبه إلى الإيمان، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقا من الله له، وتيسيرا له لما خلق له من الخير والحسنى، فهؤلاء لا يحتاجون إلى برهان، ولا إلى تكليف استدلال. وهؤلاء هم جمهور الناس من العامة والنساء والتجار والصناع والأكرة والعباد، وأصحاب الحديث الأئمة، الذين يذمون الكلام والجدل والمراء في الدين) .

قال: (وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم [سورة الحجرات: 7 ، 8].

وقال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [سورة الأنعام: 125].

قال: (فقد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم المعاصي، فضلا منه ونعمة وهذا هو خلق الله الإيمان في قلوبهم ابتداء، وعلى ألسنتهم، [ ص: 412 ] ولم يذكر الله في ذلك استدلالا أصلا. وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم ورؤساءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم، ويحسون من أنفسهم النفار العظيم عن كل من سمعوا منه ما يخالف الشريعة، ويرون أن حرقهم بالنار أخف عليهم من مخالفة الإسلام) .

قال: (وهذا أمر قد عرفناه من أنفسنا حسا، وشاهدناه في ذواتنا يقينا، فلقد بقينا سنين كثيرة لا نعرف الاستدلال ولا وجوهه، ونحن - ولله الحمد - في غاية اليقين بدين الإسلام، وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وفي غاية سكون النفس إليه، وفي غاية النفار عن كل ما يعترض فيه بشك، وكانت تخطر في قلوبنا خطرات سوء في خلال ذلك ينبذها الشيطان، فنكاد [ ص: 413 ] لشدة نفارنا عنها أن نسمع خفقان قلوبنا استبشاعا لها، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل عن ذلك، فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يقدم فتضرب عنقه أحب إليه من أن يتكلم به. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك محض الإيمان، وأخبر أنه وسوسة الشيطان، ثم تعلمنا طرق الاستدلال وأحكمناها - ولله الحمد والمنة - فما زادنا يقينا على ما كنا، بل عرفنا أننا كنا ميسرين للحق، وصرنا كمن عرف وقد أيقن بكون - الفيل سماعا ولم يره، ثم رآه، فلم يزدد يقينا بصحة إنيته أصلا، لكن أرانا صحيح الاستدلال رفض بعض الآراء الفاسدة التي نشأنا عليها فقط) .

قال: وإن المخالفين لنا ليعرفون من أنفسهم ما ذكرنا، إلا أنهم يلزمهم أن يشهدوا على أنفسهم بالكفر قبل استدلالهم ولا بد، فصح بما قلنا أن كل من محض اعتقاد الحق بقلبه، وقاله [ ص: 414 ] بلسانه، فهم مؤمنون محققون. ليسوا مقلدين أصلا، وإنما كانوا مكذبين مقلدين لو أنهم قالوا واعتقدوا أننا إنما نتبع في الدين آباءنا وكبراءنا فقط، ولو أن آباءنا وكبراءنا تركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم لتركناه، فلو قالوا هذا واعتقدوه لكانوا مقلدين كفارا غير مؤمنين، لأنهم إنما اتبعوا آباءهم وكبراءهم الذين نهوا عن اتباعهم، لم يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمروه باتباعه) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث