الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم

فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المومنين

تفريع على جملة وما تغني الآيات والنذر باعتبار ما اشتملت عليه من ذكر النذر . فهي خطاب من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أي يتفرع على انتفاء انتفاعهم بالآيات والنذر وعلى إصرارهم أن يسأل عنهم : ماذا ينتظرون ، ويجاب بأنهم ما ينتظرون إلا مثل ما حل بمن قبلهم ممن سيقت قصصهم في الآيات الماضية ، ووقع الاستفهام بـ هل لإفادتها تحقيق السؤال وهو باعتبار تحقيق المسؤول عنه وأنه جدير بالجواب بالتحقيق .

[ ص: 298 ] والاستفهام مجاز تهكمي إنكاري ، نزلوا منزلة من ينتظرون شيئا يأتيهم ليؤمنوا ، وليس ثمة شيء يصلح لأن ينتظروه إلا أن ينتظروا حلول مثل أيام الذين خلوا من قبلهم التي هلكوا فيها .

وضمن الاستفهام معنى النفي بقرينة الاستثناء المفرغ . والتقدير : فهل ينتظرون شيئا ، ما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم .

وأطلقت الأيام على ما يقع فيها من الأحداث العظيمة . ومن هذا إطلاق ( أيام العرب ) على الوقائع وجملة قل فانتظروا مفرعة على جملة فهل ينتظرون . وفصل بين المفرع والمفرع عليه بـ قل لزيادة الاهتمام . ولينتقل من مخاطبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى مخاطبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه وبذلك يصير التفريع بين كلامين مختلفي القائل شبيها بعطف التلقين الذي في قوله - تعالى : قال ومن ذريتي . على أن الاختلاف بين كلام الله وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مقام الوحي والتبليغ اختلاف ضعيف لأنهما آئلان إلى كلام واحد . وهذا موقع غريب لفاء التفريع .

وبهذا النسج حصل إيجاز بديع لأنه بالتفريع اعتبر ناشئا عن كلام الله - تعالى - فكأن الله بلغه النبيء - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بأن يبلغه قومه فليس له إلا التبليغ ، وهو يتضمن وعد الله نبيه بأنه يرى ما ينتظرهم من العذاب ، فهو وعيد وهو يتضمن النصر عليهم . وسيصرح بذلك في قوله : ثم ننجي رسلنا

وجملة إني معكم من المنتظرين استئناف بياني ناشئ عن جملة انتظروا لأنها تثير سؤال سائل يقول : ها نحن أولاء ننتظر وأنت ماذا تفعل . وهذا مستعمل كناية عن ترقبه النصر إذ لا يظن به أنه ينتظر سوءا فتعين أنه [ ص: 299 ] ينتظر من ذلك ضد ما يحصل لهم ، فالمعية في أصل الانتظار لا في الحاصل بالانتظار .

ومع حال مؤكدة . ومن المنتظرين خبر إن ومفاده مفاد مع إذ ماصدق ، المنتظرين : هم المخاطبون المنتظرون .

و ثم ننجي رسلنا عطف على جملة فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا لأن مثل تلك الأيام يوم عذاب . ولما كانوا مهددين بعذاب يحل بموضع فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون عجل الله البشارة للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بأنه ينجيهم من ذلك العذاب بقدرته كما أنجى الرسل من قبله .

وجملة كذلك حقا علينا ننج المومنين تذييل . والإشارة بـ كذلك إلى الإنجاء المستفاد من ثم ننجي

وحقا علينا : جملة معترضة لأن المصدر بدل من الفعل ، أي حق ذلك علينا حقا .

وجعله الله حقا عليه تحقيقا للتفضل به والكرامة حتى صار كالحق عليه .

وقرأ الجمهور ننجي المؤمنين بفتح النون الثانية وتشديد الجيم على وزان ننجي رسلنا . وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم ننجي المؤمنين بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم من الإنجاء . فالمخالفة بينه وبين نظيره الذي قبله تفنن ، والمعنى واحد .

وكتب في المصحف ننج المؤمنين بدون ياء بعد الجيم على صورة النطق بها لالتقاء الساكنين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث