الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            أبواب ما يبطل الصوم وما يكره وما يستحب

                                                                                                                                            باب ما جاء في الحجامة

                                                                                                                                            1642 - ( عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أفطر الحاجم والمحجوم } رواه أحمد والترمذي . ولأحمد وأبي داود وابن ماجه من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس مثله . ولأحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله . ولأحمد من حديث عائشة وحديث أسامة بن زيد مثله ) .

                                                                                                                                            1643 - ( وعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال : { أفطر الحاجم والمحجوم } ) .

                                                                                                                                            1644 - ( وعن الحسن عن معقل بن سنان الأشجعي أنه قال : مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أحتجم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان فقال : { أفطر الحاجم والمحجوم } رواهما أحمد ، وهما دليل على أن من فعل ما يفطر جاهلا يفسد صومه [ ص: 238 ] بخلاف الناسي . قال أحمد : أصح حديث في هذا الباب حديث رافع بن خديج ، وقال ابن المديني : أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس )

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            حديث رافع أخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه . قال الترمذي : ذكر عن أحمد أنه قال : هذا أصح شيء في هذا الباب ، وبالغ أبو حاتم فقال : وعندي من طريق رافع باطل . ونقل عن يحيى بن معين أنه قال : هو أضعف أحاديث الباب . وحديث ثوبان أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم .

                                                                                                                                            وروي عن أحمد أنه قال : هو أصح ما روي في الباب . وكذا قال الترمذي عن البخاري وصححه البخاري تبعا لعلي بن المديني ، نقله الترمذي في العلل . وحديث شداد بن أوس أخرجه أيضا النسائي وابن خزيمة وابن حبان وصححاه ، وصححه أيضا أحمد والبخاري وعلي بن المديني . وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا النسائي من طريق عبيد الله بن بشير عن الأعمش عن أبي صالح عنه ، وله طريق أخرى عن شقيق بن ثور عن أبيه عنه . وحديث عائشة أخرجه أيضا النسائي ، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف . وحديث أسامة أخرجه أيضا النسائي وفيه اختلاف . وحديث ثوبان الآخر أخرجه أيضا النسائي وهو أحد ألفاظ حديثه المشار إليه أولا . وحديث معقل بن سنان في إسناده عطاء بن السائب . وقد اختلط ورواه الطبراني في الكبير ، وأخرجه أيضا النسائي وذكر الاختلاف فيه .

                                                                                                                                            وفي الباب عن أبي موسى عند النسائي والحاكم وصححه علي بن المديني . وقال النسائي : رفعه خطأ والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة وعلقه البخاري ووصله أيضا بدون ذكر : { أفطر الحاجم والمحجوم له } وعن بلال عند النسائي . وعن علي عند النسائي أيضا . قال علي بن المديني : اختلف فيه على الحسن . وعن أنس وجابر وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي يزيد الأنصاري وابن مسعود عند ابن عدي في الكامل والبزار وغيرهما . وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بفطر الحاجم والمحجوم له ويجب عليهما القضاء وهم : علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان ، حكاه عن هؤلاء الجماعة صاحب الفتح ، وصرح بأنهم يقولون : إنه يفطر الحاجم والمحجوم له ، وهو يرد ما قاله المهدي في البحر ، وتبعه المغربي في شرح بلوغ المرام وصاحب ضوء النهار من أنه لم يقل أحد من العلماء بأن الحاجم يفطر . ومن القائلين بأنه يفطر الحاجم والمحجوم له أبو هريرة وعائشة . قال الزعفراني : إن الشافعي علق القول به على صحة الحديث ، وبذلك قال الداودي من المالكية . وذهب الجمهور إلى أن الحجامة لا تفسد الصوم ، وحكاه في البحر عن جماعة من الصحابة منهم علي وابنه الحسن وأنس وأبو سعيد الخدري [ ص: 239 ] وزيد بن أرقم ، وعن العترة وأكثر الفقهاء والحسن البصري وعطاء والصادق . قال الحازمي : ممن روينا عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن أرقم وابن عمر وأنس وعائشة وأم سلمة ، ومن التابعين والعلماء الشعبي وعروة والقاسم بن محمد وعطاء بن يسار وزيد بن أسلم وعكرمة وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك والشافعي وأصحابه إلا ابن المنذر .

                                                                                                                                            وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها منسوخة بالأحاديث التي ستأتي . وأجيب عن ذلك بما سنذكره في شرحها ، وأجابوا أيضا بما أخرجه الطحاوي وعثمان الدارمي والبيهقي في المعرفة عن ثوبان أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال { أفطر الحاجم والمحجوم } لأنهما كانا يغتابان ، ورد بأن في إسناده يزيد بن ربيعة وهو متروك ، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل . قال ابن خزيمة : جاء بعضهم بأعجوبة ، فزعم أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال : { أفطر الحاجم والمحجوم } لأنهما كانا يغتابان ، فإذا قيل له : فالغيبة تفطر الصائم ؟ قال : لا ، فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة . وأجابوا أيضا بأن المراد بقوله : { أفطر الحاجم والمحجوم } أنهما سيفطران باعتبار ما يئول الأمر إليه كقوله تعالى : { إني أراني أعصر خمرا } ، قال الحافظ : ولا يخفى تكلف هذا التأويل . وقال البغوي في شرح السنة : معنى " أفطر الحاجم والمحجوم " أي تعرضا للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص ، وإنما المحجوم فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم ، فيئول أمره إلى . أن يفطر ، وهذا أيضا جواب متكلف وسياق التصريح بما هو الحق .

                                                                                                                                            1645 - ( وعن ابن عباس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم } . رواه أحمد والبخاري .

                                                                                                                                            وفي لفظ : { احتجم وهو محرم صائم } . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه ) .

                                                                                                                                            1646 - ( وعن { ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا إلا من أجل الضعف } رواه البخاري ) .

                                                                                                                                            1647 - ( وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على أصحابه ولم [ ص: 240 ] يحرمهما } . رواه أحمد وأبو داود ) .

                                                                                                                                            1648 - ( وعن أنس قال : { أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفطر هذان ، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم . وكان أنس يحتجم وهو صائم } . رواه الدارقطني وقال : كلهم ثقات ولا أعلم له علة ) . حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه كما حكاه في التلخيص عن بعض الحفاظ . الأول : { احتجم وهو محرم } . الثاني : { احتجم وهو صائم } . الثالث : كالرواية الأولى التي ذكرها المصنف . الرابع : كالرواية الثانية التي ذكرها المصنف . وقد أخرج اللفظ الأول من الأربعة الشيخان من حديث عبد الله ابن بحينة ، وله طرق شتى عند النسائي وغيره من حديث أنس وجابر . والثاني رواه أصحاب السنن من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس ، لكن أعل بأنه ليس من مسموع الحكم عن مقسم ، وله طرق أخرى . والثالث : أخرجه من ذكر المصنف وكذلك الرابع ، وأعله أحمد وعلي بن المديني وغيرهما ، فقال أحمد : ليس فيه صائم إنما هو محرم عند أصحاب ابن عباس . وقال أبو حاتم : هذا خطأ أخطأ فيه شريك . وقال الحميدي : إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن محرما صائما لأنه خرج في رمضان في غزاة الفتح ولم يكن محرما انتهى . وإذا صح فينبغي أن يحمل على أن كل واحد من الصوم والإحرام وقع في حالة مستقلة ، وهذا لا مانع منه ، وقد صح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام في رمضان وهو مسافر " . وزاد الشافعي وابن عبد البر وغير واحد " أن ذلك في حجة الوداع " . قال الحافظ : وفيه نظر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفطرا كما صح { أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشربه وهو واقف بعرفة } وعلى تقدير وقوع ذلك قد قال ابن خزيمة : هذا الخبر لا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم ; لأنه إنما احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر ; لأنه لم يكن قط محرما مقيما ببلد .

                                                                                                                                            قال : وللمسافر أن يفطر ولو نوى الصوم ومضى عليه بعض النهار ، خلافا لمن أبى ذلك ثم احتج له ، لكن تعقب عليه الخطابي بأن قوله : وهو صائم دال على بقاء الصوم . قال الحافظ : قلت : ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان عليه حالة الاحتجام لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام انتهى . وحديث أنس الأول اعترض البخاري فيه بأنه سقط من إسناده حميد ما بين شعبة وثابت البناني . وقال الحافظ : إن الخلل وقع فيه من غير البخاري وبين [ ص: 241 ] وجه ذلك .

                                                                                                                                            وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه أيضا عبد الرزاق . قال في الفتح : وإسناده صحيح ، والجهالة بالصحابي لا تضر .

                                                                                                                                            وقوله : " إبقاء على أصحابه " متعلق بقوله : نهى . وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ، ولفظه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : إنما { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف } أي لئلا يضعف وحديث أنس الآخر قال في الفتح : رواته كلهم من رجال البخاري .

                                                                                                                                            وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال : { رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة } أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ، قال الحافظ : إسناده صحيح ورجاله ثقات ، لكن اختلف في رفعه ووقفه ، واستشهد له بحديث أنس المذكور . وله حديث آخر عند الترمذي والبيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاث لا يفطرن : القيء ، والحجامة ، والاحتلام } وفي إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وهو ضعيف . وقال الترمذي : هذا الحديث غير محفوظ . وقد رواه الدراوردي وغير واحد عن زيد بن أسلم مرسلا ، ورواه أبو داود عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجحه أبو حاتم وأبو زرعة وقال : إنه أصح وأشبه بالصواب ، وتبعهما البيهقي . وقال الدارقطني : رواه كامل بن طلحة عن مالك عن زيد موصولا ثم رجع عنه ، وليس هو من حديث مالك قال : ورواه هشام بن سعد عن زيد موصولا ولا يصح ، وأخرجه في السنن .

                                                                                                                                            وفي الباب عن ابن عباس عند البزار وهو معلول ، وعن ثوبان عند الطبراني وسنده ضعيف . وقد استدل الجمهور بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر ، ولكن حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ الأحاديث السابقة أما أولا فلأنه لم يعلم تأخره لما عرفت من عدم انتهاض تلك الزيادة ، أعني قوله في حجة الوداع . وإنما ثانيا فغاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم الواقع بعد عموم يشمله أن يكون مخصصا له من العموم لا رافعا لحكم العام ، نعم حديث ابن أبي ليلى وأنس وأبي سعيد يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم ، فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببا للإفطار ، ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها ، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى ، فيتعين حمل قوله : " أفطر الحاجم والمحجوم " على المجاز لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي .




                                                                                                                                            الخدمات العلمية