الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1118 حديث خامس لأبي حازم

مالك ، عن أبي حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة ، فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك ، فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ فقال : ما عندي إلا إزاري هذا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا ، فقال : ما أجد شيئا ، قال : التمس ، ولو خاتما من حديد ، فالتمس ، فلم يجد شيئا ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم : هل معك من [ ص: 110 ] القرآن شيء ، قال : نعم ، سورة كذا وسورة كذا لسور سماها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : قد أنكحتكها بما معك من القرآن .

التالي السابق


روى هذا الحديث ، عن أبي حازم ، عن سهل جماعة وأحسنهم كلهم له سياقة مالك رحمه الله ، وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند في قوله عز وجل وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي الآية . والموهوبة خص بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده دون سائر أمته - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم يعني من الصداق ، فلابد لكل مسلم من صداق ، قل أو كثر على حسبما للعلماء في ذلك من التحديد في قليله ، دون كثيره على ما نورده في هذا الباب إن شاء الله ، وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الموهوبة له جائزة دون صداق .

وفي القياس أن كل ما يجوز البدل منه والعوض جازت هبته ، إلا أن الله عز وجل حرم الإبضاع من النساء إلا بالمهور ، وهي الصدقات المعلومات ، قال الله عز وجل وآتوا النساء صدقاتهن نحلة .

[ ص: 111 ] قال أبو عبيدة يعني ، عن طيب نفس بالفريضة التي فرضها الله من ذلك دون خير حكومة ، قال : وما أخذ بالحكام ، فلا يقال له نحلة ، وقد قيل : إن المخاطب بهذه الآية الآباء ; لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم التي فرضها الله لهن ، وقال الله عز وجل والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن يعني مهورهن ، وقال في الإماء فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن يعني مهورهن .

وأجمع علماء المسلمين : أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له وطؤه ، دون رقبته بغير صداق ، وأن الموهوبة لا تحل لأحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - واختلفوا في عقد النكاح بلفظ الهبة مثل أن يقول الرجل للرجل : قد وهبت لك ابنتي ، أو وليتي ، وسمى صداقا ، أو لم يسم ، فقال الشافعي : لا يصح النكاح بلفظ الهبة ، ولا ينعقد حتى يقول : قد أنكحتك أو زوجتك ، وممن أبطل النكاح بلفظ الهبة : ربيعة والشافعي ومالك على اختلاف عنه ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود ، وغيرهم ، وذهبت طائفة من أصحاب مالك أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة ; لأنه لفظ يصح للتمليك ، والاعتبار فيه بالمعنى لا باللفظ .

وقال ابن القاسم ، عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح ، إنما وهبها له ليحضنها ، أو ليكفلها ، فلا أرى بذلك بأسا .

[ ص: 112 ] قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته وهو يريد إنكاحها ، فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع ، قال مالك : من قال أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا ، فهو بيع ، وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين ، وقالوا إذا قال رجل لرجل : قد وهبت لك ابنتي على دينار ، جاز ، وكان نكاحا صحيحا قياسا على البيع .

وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا كان اشهد عليه ، ولها المهر المسمى إن كان سمى ، وإن كان لم يسم لها مهرا ، فلها مهر مثلها ، ومما احتج به أصحاب أبي حنيفة في هذا أن الطلاق يقع بالتصريح وبالكناية ، قالوا : فكذلك النكاح ، والذي خص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعري البضع من العوض ، لا النكاح بلفظ الهبة .

قال أبو عمر :

الصحيح أنه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح ، كما أنه لا ينعقد بلفظ النكاح هبة شيء من الأموال مع ما ورد به التنزيل المحكم في الموهوبة أنها للنبي - صلى الله عليه وسلم - خالصة دون المؤمنين فلما لم تصح الهبة في ذلك لم يصح بلفظها نكاح ، هذا هو الصحيح في النظر ، والله أعلم .

ومن جهة النظر أيضا : أن النكاح مفتقر إلى التصريح لتقع الشهادة عليه ، وهو ضد الطلاق ، فكيف يقاس عليه ؟ وقد أجمعوا أن النكاح لا ينعقد بقوله : قد أبحت لك ، وقد أحللت لك ، فكذلك الهبة ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استحللتم فروجهن بكلمة الله بمعنى القرآن وليس في القرآن عقد النكاح بلفظ الهبة ، وإنما فيه التزويج والنكاح ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطال بعض خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم .

وفي هذا الحديث أيضا من الفقه إجازة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وقد اختلف في ذلك العلماء :

فكرهه قوم ، منهم : أبو حنيفة ، وأصحابه .

وأجازه [ ص: 113 ] آخرون ، منهم : مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، والحجة في جواز ذلك : حديث هذا الباب ، وحديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث سرية ، فنزلوا بحي ، فسألوهم القرى أو الشراء ، فلم يفعلوا ، فلدغ سيد الحي ، فقالوا لهم : هل فيكم من راق ؟ فقالوا : لا ، حتى تجعلوا لنا على ذلك جعلا ، فجعلوا لهم قطيعا من غنم ، فأتاهم رجل منهم ، فقرأ عليه فاتحة الكتاب ، فبرأ ، فذبحوا ، وشووا ، وأكلوا ، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له ، فقال : ومن أين علمت أنها رقية ؟ من أخذ برقية باطل ، فلقد أخذت برقية حق ، اضربوا لي فيها بسهم .

رواه أبو المتوكل الناجي وسليمان بن قنة ، وأبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري وروى الشعبي ، عن خارجة بن الصلت ، عن عمه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وحجة أبي حنيفة ، ومن قال بقوله حديث سعد بن طريف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : معلمو صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة باليتيم ، وأغلظهم على المسكين . وحديث علي بن عاصم ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي جرهم ، عن أبي هريرة ، قال : قلت : يا رسول الله ما تقول في المعلمين ، قال : درهمهم حرام ، وقوتهم سحت ، وكلامهم رياء .

وحديث المغيرة بن زياد ، عن عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت ، أنه علم رجلا من أهل الصفة فأهدى له قوسا ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن سرك أن يطوقك الله طوقا من نار ، فاقبله .

[ ص: 114 ] وروي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

وهذه الأحاديث منكرة ، لا يصح شيء منها عند أهل العلم بالنقل .

وسعد بن طريف متروك الحديث .

وأبو جرهم مجهول ، لا يعرف ، ولم يرو حماد بن سلمة ، عن أحد يقال له أبو جرهم ، وإنما رواه ، عن أبي المهزم ، وهو متروك أيضا ، وهو حديث لا أصل له .

وأما المغيرة بن زياد فمعروف بحمل العلم ، ولكنه له مناكر هذا منها .

وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم ; لأنه روي ، عن عبادة من وجهين وروي ، عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب ، وهو منقطع ، وليس في هذا الباب حديث يجب به حجة من جهة النقل ، والله أعلم .

واحتجوا أيضا بقوله - صلى الله عليه وسلم - اقرءوا القرآن ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا وهذا يحتمل التأويل ، وكذلك حديث عبادة ، وأبي يحتمل التأويل أيضا ; لأنه جائز أن يكون علمه لله ، ثم أخذ عليه أجرا ونحو هذا .

واختلف الفقهاء أيضا في حكم المصلي بأجرة : فروى أشهب ، عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم بالناس ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس ، إن كان به بأس فعليه .

وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه وهو أشد كراهية له في الفريضة .

وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ، ولا بأس بالصلاة خلفه .

[ ص: 115 ] وذكر الوليد بن مزيد ، عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما فأخذ عليه أجرا ، فقال : لا صلاة له .

وكرهه أبو حنيفة وأصحابه .

وهذه المسألة معلقة من التي قبلها ، وأصلهما واحد ، وفي هذه المسألة اعتلالات يطول ذكرها .

وفيه أيضا من الفقه أن الصداق : كل ما وقع عليه اسم شيء مما يصح تملكه ، قل أو كثر ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل له التمس ربع دينار فصاعدا ، ولا عشرة دراهم فصاعدا ، ألا ترى إلى قوله : هل عندك من شيء تصدقها ، ثم قال التمس ولو خاتما من حديد ، فقال أصحابنا : يريد بقوله التمس شيئا ، وهل عندك من شيء ، أي من شيء تقدمه إليها من صداقها ; لأن عادتهم جرت بأن يقدموا من الصداق بعضه .

وقال الشافعي وأصحابه : يريد شيئا تصدقها إياه فيقتضي أن كل شيء وجده مما يكون ثمنا لشيء ، جاز أن يكون صداقا قل أو كثر ، وقد مضى القول في هذا المعنى مجودا في باب حميد من هذا الكتاب .

وأما اختلاف العلماء في مبلغ أقل الصداق ، فذهب مالك وأصحابه إلى أن النكاح ، لا يكون بأقل من ربع دينار ذهبا ، أو ثلاثة دراهم كيلا من ورق أو قيمة ذلك من العروض قياسا على قطع اليد ; لأنه عضو يستباح بمقدار من المال فأشبه قطع اليد ، ولم يكن بد من التقدير في ذلك ; لأن الله شرط عدم الطول في نكاح الإماء ، وقلما يعدم الإنسان ما يتمول أو يتملك .

وقد ذكرنا الحجة لهذا القول في باب حميد الطويل من هذا الكتاب .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم قياسا أيضا على ما تقطع اليد فيه عندهم ، واحتجوا بحديث يروى عن جابر ، عن [ ص: 116 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا صداق أقل من عشرة دراهم ، وهو حديث لا يثبت ، وروي عن الشعبي ، عن علي مثله ، ولا يصح أيضا عن علي .

وقال ابن شبرمة : أقل المهر خمسة دراهم يعني كيلا ، وفي ذلك تقطع اليد عنده أيضا .

وروي عن النخعي ثلاثة أقاويل ، أحدها : أنه كره أن يتزوج بأقل من أربعين درهما ، وروي عنه أنه قال : أكره أن يكون مثل مهر البغي ، ولكن العشرة والعشرون .

وكان سعيد بن جبير يستحب أن يكون المهر خمسين درهما .

وقال الحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، وابن أبي ليلى ، والثوري ، والأوزاعي ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، والشافعي ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور والليث بن سعد ، والحسن بن حي ، والطبري ، وداود : يجوز النكاح بقليل المال وكثيره ، إلا أن الحسن يعجبه أن لا يكون أقل من دينار أو عشرة دراهم ، ويجيزه بدرهم .

وقال الأوزاعي : كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض ، قال : والصداق ما تراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير .

وقال الشافعي : كل ما كان ثمنا لشيء أو أجرة ، جاز أن يكون صداقا .

وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا لحلت .

أخبرنا خلف بن قاسم ، حدثنا ابن شعبان ، حدثنا عمران بن موسى بن زكرياء ، حدثنا خشيش بن أصرم ، حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت .

[ ص: 117 ] قال أبو عمر :

أجمع العلماء على أن لا توقيت ولا تحديد في أكثر الصداق ، وذكر الله تعالى الصداق في كتابه ولم يحد في أكثره ولا في أقله حدا ، ولو كان الحد مما يحتاج في ذلك إليه لبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ هو المبين عن الله مراده - صلى الله عليه وسلم - وقد قال - صلى الله عليه وسلم - التمس ولو خاتما من حديد ، والحدود لا تصح إلا بكتاب الله أو سنة ثابتة لا معارض لها ، أو إجماع يجب التسليم له ، هذه جملة ما احتج به من ذهب هذا المذهب .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما يصدقه الرجل امرأته لا يملك شيئا منه ، وأنه للمرأة دونه ، ألا ترى إلى قوله : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك ، وفي هذا ما يدل على أن الصداق لو كان لجارية ووطئها الزوج حد ; لأنه وطئ ملك غيره ، وهذا موضع اختلف فيه السلف والآثار .

وأما فقهاء الأمصار فعلى ما ذكرت لك ، وهو الصحيح لقول الله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون .

ومن وطئ جارية قد أمهرها زوجته وملكتها عليه ببضعها ، فلم يطأ ملك يمين وتعدى .

واختلف الفقهاء في المهر المسمى هل تستحق المرأة جميعه بالعقد ، أم لا ؟ فالظاهر من مذهب مالك أنه لا تستحق بالعقد إلا نصفه ، وأما الصداق إذا كان شيئا بعينه فهلك ، ثم طلق قبل الدخول لم يكن له عليها شيء ، وأنه لو سلم وطلق قبل الدخول أخذ نصفه ناميا أو ناقصا والنماء والنقصان بينهما ، وقد روي عن مالك ، وقال به طائفة من أصحابه : أنها تستحق المهر كله بالعقد .

[ ص: 118 ] واستدل قائل ذلك بالموت قبل الدخول ، وبوجوب الزكاة في الماشية نفسها عليه ، وأنه لا يقال للزوج أغرم عليها الزكاة ، ثم تدخل ، وبأنه لو كانت بينهما لم تجب عليها في أربعين شاة أو خمس ذود زكاة ، فلما أوجبوا عليها الزكاة في ذلك علم أنها كلها على ملكها ، وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه ، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته ، وكان معينا في غير ذمة الزوج وهلك قبل الدخول كان منها ، وكان له أن يدخل بها بغير شيء ، وبأنها لو كان الصداق أباها عتق عليها عقب العقد قبل الدخول بلا خلاف .

واحتجوا أيضا بقول الله عز وجل وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فأمر بتسليم الصداق إليها ، فوجب ملكه لها ، وشبهوا سقوطه بالطلاق قبل الدخول بعد وجوبه ، وثبوته بالبائع يرجع إليه عين ملكه ، عند فلس المبتاع منه ، ولهم في ذلك ضروب من الكلام يكفي منه ما ذكرنا ، وهو عينه ، وعليه مداره ، والحمد لله .

وفيه إجازة اتخاذ خاتم الحديد ، وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد على ما بينا في باب عبد الله بن دينار ، والحمد لله .

وفيه أيضا دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا ، وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء :

فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يكون القرآن ولا تعليم القرآن مهرا ، وهو قول الليث ، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لذكر الله الطول في النكاح والطول المال ، والقرآن ليس بمال وقال الله عز وجل أن تبتغوا بأموالكم والقرآن ليس بمال ; ولأن التعليم من المعلم ، والمتعلم يختلف ، ولا يكاد يضبطه ، فأشبه الشيء المجهول ، قالوا ومعنى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال قد [ ص: 119 ] أنكحتكها بما معك من القرآن ، فإنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأصله ، لا على أنه مهر ، وإنما زوجه إياها لكونه من أهل القرآن ، كما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه ، والمهر مسكوت عنه ; لأنه معهود معلوم أنه لابد منه .

أخبرنا إبراهيم بن شاكر ، قال : حدثنا محمد بن أيوب ، قال : حدثنا أحمد بن عمرو البزار ، قال : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك : أن أبا طلحة أتى أم سليم يخطبها قبل أن يسلم ، فقالت : أتزوج بك وأنت تعبد خشبة نحتها عبد بني فلان ، إن أسلمت تزوجت بك ، قال فأسلم أبو طلحة : فتزوجها على إسلامه ، يريد لما أسلم استحل نكاحها ، وسكت عن المهر ، وكان أحمد بن حنبل يكره النكاح على القرآن .

وقال الشافعي وأصحابه جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه مهرا ، قال : فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجر التعليم ، هذه رواية المدني عنه ، وذكر الربيع عنه في البويطي أنه إن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف مهر مثلها ; لأن تعليم النصف لا يوقف على حده ، قال : فإن وقف عليه جعل امرأة تعلمها .

ومن الحجة لمذهب الشافعي في ذلك : أن الحديث الثابت ورد بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج ذلك الرجل تلك المرأة على تعليمه إياها سورا سماها ; ولأن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه فجاز أن يكون صداقا ، قالوا : ولا [ ص: 120 ] وجه لقول من قال : إن ذلك كان من أجل حرمة القرآن ، ومن أجل كونه من أهل القرآن ; لأن في الحديث ما يبطل هذا التأويل ; لأنه قال التمس شيئا ، ثم قال له : التمس ، ولو خاتما من حديد ، ثم قال له : هل معك من القرآن شيء ، فقال : سورة كذا ، فقال : قد زوجتكها بما معك من القرآن ، أي بأن تعلمها تلك السورة من القرآن .

قال أبو عمر :

دعوى التعليم على الحديث دعوى باطل لا يصح ، وتأويل الشافعي على ما ذكرنا في هذا الباب محتمل ، فأما دعوى الخصوص فضعيف ، لا وجه له ، ولا دليل عليه ، وأكثر أهل العلم لا يجيزون ما قال الشافعي ، وأولى ما قيل به في هذا الباب : قول مالك ومن تابعه إن شاء الله ، والله الموفق للصواب .

وقد أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد ، عن أبيه ، عن محمد بن عمر بن لبابة ، قال : أخبرنا مالك بن علي القرشي ، عن يحيى بن يحيى ، أن يحيى بن مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح بما معه من القرآن : أن ذلك في أجرته على تعليمها ما معه .




الخدمات العلمية