الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآية السادسة والثلاثون قوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم } .

فيها ست مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى { خذ } : هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيقتضي بظاهره اقتصاره عليه ، فلا يأخذ الصدقة سواه ، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه ، وزوال تكليفها بموته ، وبهذا تعلق مانعو الزكاة على [ ص: 575 ] أبي بكر الصديق ، وقالوا عليه : إنه كان يعطينا عوضا عنها التطهير ، والتزكية لنا ، والصلاة علينا ، وقد عدمناها من غيره ، ونظم في ذلك شاعرهم فقال :

أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر     وإن الذي سألوكم فمنعتم
لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر     سنمنعهم ما دام فينا بقية
كرام على الضراء في العسر واليسر

وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة ، وغيرهم كفر بالله من غير تأويل ، وأنكر النبوة ، وساعد مسيلمة ، وأنكر وجوب الصلاة والزكاة .

وفي هذا الصنف الذي أقر بالصلاة ، وأنكر الزكاة وقعت الشبهة لعمر حين خالف أبا بكر في قتالهم ، وأشار عليه بقبول الصلاة منهم وترك الزكاة ، حتى يتعهد الأمر ، ويظهر حزب الله ، وتسكن سورة الخلاف ; فشرح الله صدر أبي بكر للحق ، وقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ; فإن الزكاة حق في المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه . قال عمر : فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق .

وبهذا اعترضت الرافضة على الصديق ، فقالوا : عجل في أمره ، ونبذ السياسة وراء ظهره ، وأراق الدماء .

قلنا : بل جعل كتاب الله بين عينيه ، وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، والقرآن يستنير به ، والسياسة تمهد سبلها فإنه قال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة .

وصدق الصديق ، فإن الله يقول : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ; فشرطهما ، وحقق العصمة بهما ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله } .

فقال أبو بكر لعمر حين تعلق بهذا الحديث : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إلا بحقها } .

والزكاة حق المال ، فالصلاة تحقن الدم ، والزكاة تعصم المال .

[ ص: 576 ] وقد جاء في الحديث الصحيح : { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة } .

وأما السياسة فما عداها فإنه لو ساهلهم في منع الزكاة لقويت شوكتهم ، وتمكنت في القلوب بدعتهم ، وعسر إلى الطاعة صرفهم ، فعاجل بالدواء قبل استفحال الداء .

فأما إراقته للدماء فبالحق الذي كان عصمها قبل ذلك ، وإراقة الدماء يا معشر الرافضة في توطيد الإسلام وتمهيد الدين آكد من إراقتها في طلب الخلافة ، وكل عندنا حق ، وعليكم في إبطال كلامكم ، وضيق مرامكم خنق .

فأما قولهم : إن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق غيره فيه به ، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة ، متلاعب بالدين ، متهافت في النظر ; فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا ، ولكن اختلفت موارده على وجوه منها في غرضنا هذه ثلاثة :

الأول : خطاب توجه إلى جميع الأمة ، كقول : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } وكقوله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } ونحوه .

الثاني : خطاب خص به النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } .

وكقوله في آية الأحزاب : { خالصة لك من دون المؤمنين } ; فهذان مما أفرد النبي صلى الله عليه وسلم بهما ، ولا يشركه فيهما أحد لفظا ومعنى ، لما وقع القول به كذلك .

الثالث : خطاب خص به النبي صلى الله عليه وسلم قولا ويشركه فيه جميع الأمة معنى وفعلا ، كقوله : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } .

وكقوله : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } وكقوله : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة } .

[ ص: 577 ] فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة ، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة ، وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة .

ومن هذا القبيل قوله : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } فإنه صلى الله عليه وسلم الآمر بها ، والداعي إليها ، وهم المعطون لها ، وعلى هذا المعنى جاء قوله : { يا أيها النبي اتق الله } و { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } .

وقد قيل له : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } .

وما كان ليشك ، ولكن المراد من شك من الناس ممن كان معه في وقته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث