الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ضمان الحدائق والبساتين

فصل :

[ ضمان الحدائق والبساتين ] .

وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي ، بل دل على خلافه ، وهو بيع المعدوم - بطلان ضمان الحدائق والبساتين ، وقالوا : هو بيع للثمر قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه ; ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه ، وليس مع المانعين [ حجة على ما ] ظنوه ، فلا النص يتناوله ولا معناه ، ولم تجمع الأمة على بطلانه ، فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع ; ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة : أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمن حديقة أسيد بن حضير ثلاث سنين وتسلف الضمان فقضى به دينا كان على أسيد ، وهذا بمشهد من الصحابة ، ولم ينكره منهم رجل واحد ، ومن جعل مثل هذا إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك ، وأقل درجاته أن يكون قول صحابي ، بل قول الخليفة الراشد ، ولم ينكره منهم منكر ، وهذا حجة [ ص: 11 ] عند جمهور العلماء ، وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة ; إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى ، واختاره ابن عقيل ، وجوز بعضهم ضمان الأشجار مطلقا مع الأرض وبدونها ، واختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفا ; ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال ، وجوز مالك ذلك تبعا للأرض في قدر الثلث .

قال شيخنا : والصواب ما فعله عمر رضي الله عنه ; فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحب حتى يشتد ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها ، وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه ، والحب نظير الثمر ، والشجر نظير الأرض ، والعمل نظير العمل ; فما الذي حرم هذا وأحل هذا ؟ وهذا بخلاف المشتري ; فإنه يشتري ثمرا وعلى البائع مؤنة الخدمة والسقي والقيام على الشجر ; فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه ; فقد ظهر انتفاء القياس والنص ، كما ظهر انتفاء الإجماع ، بل القياس الصحيح مع المجوزين ، كما معهم الإجماع القديم .

فإن قيل : فالثمر أعيان ، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع ، قيل : الأعيان هنا حصلت بعمله في الأصل المستأجر ، كما حصل الحب بعمله في الأرض المستأجرة .

فإن قيل : الفرق أن الحب حصل من بذره ، والثمر حصل من شجر المؤجر .

قيل : لا أثر لهذا الفرق في الشرع ، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوى بينهما ; والمساقي يستحق جزءا من الثمرة الناشئة من أصل الملك ; والمزارع يستحق جزءا من الزرع النابت في أرض المالك ، وإن كان البذر منه ، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة ، فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركا لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى ; لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة ، فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها ، فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة ، وبالله التوفيق .

والذين منعوا ذلك وحرموه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعا وعقلا ، فإنهم يؤجرونه الأرض وليست مقصودة له ألبتة ، ويساقونه على الشجر من ألف جزء على جزء [ ص: 12 ] مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة ، فجعلوا ما لم يقصد مقصودا ، وما قصد غير مقصود ، وحابوا في المساقاة أعظم محاباة ، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون ، ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة ، ولا يسوغ اشتراط أحد العقدين في الآخر ، بل كل عقد مستقل بحكمه ، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه ؟ وأين القياس من القياس والفقه من الفقه ؟ فبينهما في الصحة بعد ما بين المشرقين ؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث