الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا شخص أغير من الله

جزء التالي صفحة
السابق

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا شخص أغير من الله وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك لا شخص أغير من الله

6980 حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة قال قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة [ ص: 411 ]

التالي السابق


[ ص: 411 ] قوله : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا شخص أغير من الله ) كذا لهم ووقع عند ابن بطال بلفظ " أحد " بدل شخص وكأنه من تغييره .

قوله ( عبد الملك ) هو ابن عمير " والمغيرة " هو ابن شعبة كما تقدم التنبيه عليه في أواخر الحدود والمحاربين ، فإنه ساق من الحديث هناك بهذا السند إلى قوله " والله أغير مني " وتقدم شرح القول المذكور هناك ، وتقدم الكلام على غيرة الله في شرح حديث ابن مسعود ، وأن الكلام عليه تقدم في شرح حديث أسماء بنت أبي بكر في " كتاب الكسوف " قال ابن دقيق العيد : المنزهون لله إما ساكت عن التأويل وإما مؤول ، والثاني يقول المراد بالغيرة المنع من الشيء والحماية وهما من لوازم الغيرة فأطلقت على سبيل المجاز كالملازمة وغيرها من الأوجه الشائعة في لسان العرب .

قوله ( ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ) يعني الرسل ، وقد وقع في رواية مسلم " بعث المرسلين مبشرين ومنذرين " وهي أوضح ، وله من حديث ابن مسعود " ولذلك أنزل الكتب والرسل " أي وأرسل الرسل ، قال ابن بطال : هو من قوله تعالى وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات فالعذر في هذا الحديث التوبة والإنابة كذا قال ، وقال عياض : المعنى بعث المرسلين للإعذار والإنذار لخلقه قبل أخذهم بالعقوبة ، وهو كقوله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وحكى القرطبي في المفهم عن بعض أهل المعاني قال : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أحد أحب إليه العذر من الله عقب قوله لا أحد أغير من الله منبها لسعد بن عبادة على أن الصواب خلاف ما ذهب إليه ، ورادعا له على الإقدام على قتل من يجده مع امرأته ، فكأنه قال إذا كان الله مع كونه أشد غيرة منك يحب الإعذار ، ولا يؤاخذ إلا بعد الحجة ، فكيف تقدم أنت على القتل في تلك الحالة ؟ .

قوله : ولا أحد أحب إليه ) يجوز في " أحب " الرفع والنصب كما تقدم في الحدود .

قوله ( المدحة من الله ) بكسر الميم مع هاء التأنيث وبفتحها مع حذف الهاء ، والمدح الثناء بذكر أوصاف الكمال والأفضال ، قاله القرطبي .

قوله : ومن أجل ذلك وعد الله الجنة ) كذا فيه بحذف أحد المفعولين للعلم به ، والمراد به من أطاعه وفي رواية مسلم " وعد الجنة " بإضمار الفاعل وهو الله ، قال ابن بطال : أراد به المدح من عباده بطاعته وتنزيهه عما لا يليق به والثناء عليه بنعمه ليجازيهم على ذلك ، وقال القرطبي : ذكر المدح مقرونا بالغيرة والعذر تنبيها لسعد على أن لا يعمل بمقتضى غيرته ، ولا يعجل بل يتأنى ويترفق ويتثبت ، حتى يحصل على وجه الصواب فينال كمال [ ص: 412 ] الثناء والمدح والثواب لإيثاره الحق وقمع نفسه وغلبتها عند هيجانها ، وهو نحو قوله " الشديد من يملك نفسه عند الغضب " وهو حديث صحيح متفق عليه ، وقال عياض : معنى قوله " وعد الجنة " أنه لما وعد بها ورغب فيها كثر السؤال له والطلب إليه والثناء عليه ، قال ولا يحتج بهذا على جواز استجلاب الإنسان الثناء على نفسه فإنه مذموم ومنهي عنه بخلاف حبه له في قلبه إذا لم يجد من ذلك بدا فإنه لا يذم بذلك ، فالله سبحانه وتعالى مستحق للمدح بكماله ؛ والنقص للعبد لازم ولو استحق المدح من جهة ما لكن المدح يفسد قلبه ويعظمه في نفسه حتى يحتقر غيره ، ولهذا جاء " احثوا في وجوه المداحين التراب " وهو حديث صحيح أخرجه مسلم .

قوله : وقال عبيد الله بن عمرو ) هو الرقي الأسدي ( عن عبد الملك ) هو ابن عمير .

قوله ( ولا شخص أغير من الله ) يعني أن عبيد الله بن عمرو روى الحديث المذكور عن عبد الملك بالسند المذكور أولا فقال " لا شخص " بدل قوله لا أحد ، وقد وصله الدارمي عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن وراد مولى المغيرة قال : " بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن سعد بن عبادة يقول " فذكره بطوله ، وساقه أبو عوانة يعقوب الإسفراييني في صحيحه عن محمد بن عيسى العطار عن زكريا بتمامه وقال في المواضع الثلاثة لا شخص ، قال الإسماعيلي بعد أن أخرجه من طريق عبيد الله بن عمر القواريري ، وأبي كامل فضيل بن حسين الجحدري ، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، ثلاثتهم عن أبي عوانة الوضاح البصري بالسند الذي أخرجه البخاري ، لكن قال في المواضع الثلاثة لا شخص بدل لا أحد ، ثم ساقه من طريق زائدة بن قدامة عن عبد الملك كذلك ، فكأن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري في حديث أبي عوانة عن عبد الملك ، فلذلك علقها عن عبيد الله بن عمرو . قلت : وقد أخرجه مسلم عن القواريري وأبي كامل كذلك ، ومن طريق زائدة أيضا قال ابن بطال : أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص ؛ لأن التوقيف لم يرد به ، وقد منعت منه المجسمة مع قولهم بأنه جسم لا كالأجسام كذا قال ، والمنقول عنهم خلاف ما قال ، وقال الإسماعيلي : ليس في قوله لا شخص أغير من الله إثبات أن الله شخص بل هو كما جاء ما خلق الله أعظم من آية الكرسي فإنه ليس فيه إثبات أن آية الكرسي مخلوقة ، بل المراد أنها أعظم من المخلوقات ، وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل حسنة الخلق ما في الناس رجل يشبهها ، يريد تفضيلها على الرجال لا أنها رجل . وقال ابن بطال : اختلفت ألفاظ هذا الحديث فلم يختلف في حديث ابن مسعود أنه بلفظ لا أحد ، فظهر أن لفظ شخص جاء موضع " أحد فكأنه من تصرف الراوي ، ثم قال على أنه من باب المستثنى من غير جنسه كقوله تعالى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وليس الظن من نوع العلم . قلت : وهذا هو المعتمد وقد قرره ابن فورك ومنه أخذه ابن بطال فقال بعدما تقدم من التمثيل بقوله إن يتبعون إلا الظن فالتقدير أن الأشخاص الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها وإن تناهت غيرة الله تعالى ، وإن لم يكن شخصا بوجه ، وأما الخطابي فبنى على أن هذا التركيب يقتضي إثبات هذا الوصف لله تعالى فبالغ في الإنكار وتخطئة الراوي ، فقال : إطلاق الشخص في صفات الله تعالى غير جائز ؛ لأن الشخص لا يكون إلا جسما مؤلفا فخليق أن لا تكون هذه اللفظة صحيحة ، وأن تكون تصحيفا من الراوي ودليل ذلك أن أبا عوانة روى هذا الخبر عن عبد الملك فلم يذكرها ، ووقع في حديث أبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر بلفظ " شيء " والشيء والشخص في الوزن سواء ، فمن لم يمعن في الاستماع لم يأمن الوهم وليس كل من الرواة يراعي لفظ الحديث حتى لا يتعداه ، بل كثير منهم يحدث بالمعنى وليس كلهم فهما بل في كلام بعضهم جفاء وتعجرف ، فلعل لفظ شخص جرى على هذا السبيل إن لم يكن غلطا من قبيل التصحيف يعني السمعي قال ثم إن عبيد الله بن عمرو انفرد عن عبد الملك فلم [ ص: 413 ] يتابع عليه واعتوره الفساد من هذه الأوجه " وقد تلقى هذا عن الخطابي أبو بكر بن فورك فقال لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند فإن صح فبيانه في الحديث الآخر ؛ وهو قوله " لا أحد " فاستعمل الراوي لفظ شخص موضع أحد " ثم ذكر نحو ما تقدم عن ابن بطال ومنه أخذ ابن بطال ، ثم قال ابن فورك وإنما منعنا من إطلاق لفظ الشخص أمور أحدها أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع ، والثاني الإجماع على المنع منه ، والثالث أن معناه الجسم المؤلف المركب ، ثم قال : ومعنى الغيرة الزجر والتحريم ، فالمعنى أن سعدا الزجور عن المحارم وأنا أشد زجرا منه ، والله أزجر من الجميع انتهى . وطعن الخطابي ومن تبعه في السند مبني على تفرد عبيد الله بن عمرو به وليس كذلك كما تقدم وكلامه ظاهر في أنه لم يراجع صحيح مسلم ولا غيره من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ من غير رواية عبيد الله بن عمرو ، ورد الروايات الصحيحة والطعن في أئمة الحديث الضابطين مع إمكان توجيه ما رووا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث ، وهو يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم ، ومن ثم قال الكرماني : لا حاجة لتخطئة الرواة الثقاة بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات ، إما التفويض وإما التأويل ، وقال عياض بعد أن ذكر معنى قوله لا أحد أحب إليه العذر من الله أنه قدم الإعذار والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة ، وعلى هذا لا يكون في ذكر الشخص ما يشكل كذا قال ، ولم يتجه أخذ نفي الإشكال مما ذكر ، ثم قال : ويجوز أن يكون لفظ الشخص وقع تجوزا من شيء أو " أحد ، كما يجوز إطلاق الشخص على غير الله تعالى ، وقد يكون المراد بالشخص المرتفع ؛ لأن الشخص هو ما ظهر وشخص وارتفع ، فيكون المعنى لا مرتفع أرفع من الله ، كقوله لا متعالي أعلى من الله ، قال : ويحتمل أن يكون المعنى لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى ، وهو مع ذلك لم يعجل ولا بادر بعقوبة عبده لارتكابه ما نهاه عنه ، بل حذره وأنذره وأعذر إليه وأمهله ، فينبغي أن يتأدب بأدبه ويقف عند أمره ونهيه ، وبهذا تظهر مناسبة تعقيبه بقوله " ولا أحد أحب إليه العذر من الله " وقال القرطبي : أصل وضع الشخص يعني في اللغة لجرم الإنسان وجسمه ، يقال شخص فلان وجثمانه ، واستعمل في كل شيء ظاهر ، يقال شخص الشيء إذا ظهر ، وهذا المعنى محال على الله تعالى فوجب تأويله ، فقيل معناه لا مرتفع ، وقيل لا شيء ، وهو أشبه من الأول ، وأوضح منه لا موجود أو لا أحد وهو أحسنها ، وقد ثبت في الرواية الأخرى ؛ وكأن لفظ الشخص أطلق مبالغة في إثبات إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئا من الموجودات ، لئلا يفضي به ذلك إلى النفي والتعطيل ، وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله ؟ قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه مما يقتضي التشبيه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

( تنبيه )

لم يفصح المصنف بإطلاق الشخص على الله ، بل أورد ذلك على طريق الاحتمال ، وقد جزم في الذي بعده فتسميته شيئا لظهور ذلك فيما ذكره من الآيتين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث