الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح

فصل :

[ إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح ] .

فهذا الكلام على المقام الأول ، وهو كون الإجارة على خلاف القياس ، وقد تبين بطلانه .

وأما المقام الثاني - وهو أن الإجارة التي أذن الله فيها في كتابه وهي إجارة الظئر على خلاف القياس - فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد ، وهو أن المستحق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان ، وهذا الأصل لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ، بل الذي دلت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئا فشيئا مع بقاء أصلها حكمها حكم المنافع كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر ; ولهذا سوى بين النوعين في الوقف ، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة .

فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعة كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها ، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يرده ، والعرية لمن يأكل ثمر الشجرة ثم يردها ، والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها ، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها ; فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانا ، وتارة للعين التي تحدث شيئا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر ، فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة ، والمسوغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك ، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئا فشيئا ، سواء كان الحادث عينا أو منفعة ، وكونه جسما أو معنى قائما بالجسم ، لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المقتضي للجواز ، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئا فشيئا أحق بالجواز ; فإن الأجسام أكمل من صفاتها ، وطرد هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه ، فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها [ ص: 13 ] وكسوتها ، ويجوز استئجار الظئر من البهائم بعلفها ، والماشية إذا عاوض على لبنها ، فهو نوعان : أحدهما : أن يشتري اللبن مدة ، ويكون العلف والخدمة على البائع ، فهذا بيع محض .

والثاني : أن يسلمها ويكون علفها وخدمتها عليه ، ولبنها له مدة الإجارة ; فهذا إجارة وهو كضمان البستان سواء وكالظئر ; فإن اللبن يستوفى شيئا فشيئا مع بقاء الأصل ; فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه ، وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدة للبنه ، ثم من أصحابه من جوز ذلك تبعا لنصه ، ومنهم من منعه ، ومنهم من شرط فيه شروطا ضيقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه ، والصواب الجواز ، وهو موجب القياس المحض ; فالمجوزون أسعد بالنص من المانعين ، وبالله التوفيق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث