الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 268 ] الأفراد


186 . الفرد قسمان ، ففرد مطلقا وحكمه عند الشذوذ سبقا      187 . والفرد بالنسبة ما قيدته
بثقة ، أو بلد ذكرته      188 . أو عن فلان نحو قول القائل
لم يروه عن (بكر) إلا (وائل)      189 . لم يروه ثقة إلا ضمره
لم يرو هذا غير أهل البصره      190 . فإن يريدوا واحدا من أهلها
تجوزا ، فاجعله من أولها      191 . وليس في أفراده النسبيه
ضعف لها من هذه الحيثيه      192 . لكن إذا قيد ذاك بالثقه
فحكمه يقرب مما أطلقه

التالي السابق


الأفراد منقسمة إلى : ما هو فرد مطلقا ، وهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد . وقد سبق حكمه ومثاله في قسم الشاذ . وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة . كتقييد الفردية بثقة ، أو بلد معين ، كمكة والبصرة ، والكوفة ، أو بكونه لم يروه من أهل البصرة ، أو الكوفة - مثلا - إلا فلان ، أو لم يروه عن فلان إلا فلان . ونحو ذلك . فمثال تقييد الانفراد بكونه لم يروه عن فلان إلا فلان : حديث رواه أصحاب السنن [ ص: 269 ] الأربعة من طريق سفيان بن عيينة ، عن وائل بن داود ، عن ابنه بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أو لم على صفية بسويق ، وتمر " . قال الترمذي : حديث غريب . وقال ابن طاهر في أطراف الغرائب : غريب من حديث بكر بن وائل عنه . تفرد به وائل بن داود ، ولم يروه عنه غير سفيان بن عيينة . انتهى . فلا يلزم من تفرد وائل به عن ابنه بكر تفرده به مطلقا . فقد ذكر الدارقطني في العلل أنه رواه محمد بن الصلت التوزي ، عن ابن عيينة ، عن زياد بن سعد ، عن الزهري ، قال : ولم يتابع عليه . والمحفوظ عن ابن عيينة ، عن وائل ، عن ابنه . ورواه جماعة عن ابن عيينة ، عن الزهري بغير واسطة .

ومثال تقييد الانفراد بالثقة : حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الأضحى ، والفطر : بقاف ، واقتربت الساعة . رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن [ ص: 270 ] سعيد المازني ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي واقد الليثي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة .

قال شيخنا علاء الدين ابن التركماني في " الدر النقي " : مداره على ضمرة - يريد حديث أبي واقد - . وإنما قيدت هذا الحديث بقولي : أحد من الثقات; لأن الدارقطني رواه من رواية ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وابن لهيعة ضعفه الجمهور .

ومثال ما انفرد به أهل بلدة : ما رواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، قال : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ بفاتحة الكتاب ، وما تيسر " . قال الحاكم : تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره . ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم . ونحو حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ومسح رأسه بماء غير فضل يده " رواه [ ص: 271 ] مسلم وأبو داود والترمذي . قال الحاكم : هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشاركهم فيها أحد .

وقوله : ( فإن يريدوا واحدا من أهلها ) أي : فإن يريدوا بقولهم : انفرد به أهل البصرة ، أو هو من أفراد البصريين ، ونحو ذلك واحدا من أهل البصرة انفرد به متجوزين بذلك كما يضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا فاجعله من القسم الأول ، وهو الفرد المطلق . مثاله ما تقدم عند ذكر المنكر من رواية أبي زكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا : كلوا البلح بالتمر . . . الحديث . قال الحاكم : هو من أفراد البصريين عن المدنيين تفرد به أبو زكير ، عن هشام بن عروة . انتهى . فجعله من أفراد البصريين ، وأراد به واحدا منهم .

وليس في أقسام الفرد المقيد بنسبة إلى جهة خاصة ما يقتضي الحكم بضعفها من حيث كونها أفرادا ، لكن إذا كان القيد بالنسبة لرواية الثقة كقولهم : لم يروه ثقة إلا فلان ، فإن حكمه قريب من حكم الفرد المطلق; لأن رواية غير الثقة كلا رواية ، إلا أن يكون قد بلغ رتبة من يعتبر بحديثه . فلهذا قيل : (يقرب) . ولم يجعل حكمه حكم الفرد المطلق من كل وجه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث