الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك

فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون

تفريع على جملة ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده والخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم -

والنهي مستعمل كناية تعريضية بالكافرين بالقرآن لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه ونقصه ، فمن لوازمه ذم المتلبس بالمنهي عنه . ولما كان المخاطب غير مظنة للتلبس بالمنهي عنه فيطلب منه تركه ويكون النهي طلب تحصيل الحاصل ، تعين أن يكون النهي غير مراد به الكف والإقلاع عن المنهي عنه فيكون مستعملا في لازم ذلك بقرينة المقام ، ومما يزيد ذلك وضوحا قوله - تعالى - في سورة الم السجدة ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه فإنه لو كان المقصود تحذير النبيء - صلى الله عليه وسلم - من الامتراء في اللوح لما كان لتفريع ذلك على إيتاء موسى - عليه السلام - الكتاب ملازمة ، ولكن لما كان المراد التعريض بالذين أنكروا الوحي قدم إليهم احتجاج سبق الوحي لموسى - عليه السلام .

وفي للظرفية المجازية المستعملة في تمكن التلبس نظرا لحال الذين استعمل النهي كناية عن ذمهم فإنهم متلبسون بمزية شديدة في شأن القرآن .

[ ص: 31 ] وضميرا الغيبة عائدان إلى القرآن الذي عاد إليه ضمير افتراه

وجملة إنه الحق من ربك مستأنفة تأكيد لما دلت عليه جملة فلا تك في مرية منه من أنه لوضوح حقيته لا ينبغي أن يمترى في صدقه . وحرف التأكيد يقوم مقام الأمر باعتقاد حقيته لما يدل عليه التأكيد من الاهتمام .

والمرية : الشك . وهي مرادفة الامتراء المتقدم في أول الأنعام . واختير النهي على المرية دون النهي عن اعتقاد أنه كذب كما هو حال المشركين ; لأن النهي عن الامتراء فيه يقتضي النهي عن الجزم بالكذب بالأولى ، وفيه تعريض بأن ما فيه المشركون من اليقين بكذب القرآن أشد ذما وشناعة .

و من ابتدائية ، أي في شك ناشئ عن القرآن ، وإنما ينشأ الشك عنه باعتبار كونه شكا في ذاته وحقيقته لأن حقيقة القرآن أنه كتاب من عند الله ، فالشك الناشئ على نزوله شك في مجموع حقيقته ، وهذا مثل الضمير في قوله : يؤمنون به من غير احتياج إلى تقدير مضاف يئول به إلى إضافة الحكم إلى الأعيان المراد أوصافها .

وتعريف الحق لإفادة قصر جنس الحق على القرآن . وهو قصر مبالغة لكمال جنس الحق فيه حتى كأنه لا يوجد حق غيره مثل قولك : حاتم الجواد .

والاستدراك بقوله : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ناشئ على حكم الحصر ، فإن الحصر يقتضي أن يؤمن به كل من بلغه ولكن أكثر الناس لا يؤمنون .

والإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الدين .

وحذف متعلق يؤمنون لأن المراد انتفاء حقيقة الإيمان عنهم في كل ما طلب الإيمان به من الحق ، أي أن في طباع أكثر الناس تغليب الهوى على الحق فإذا جاء ما يخالف هواهم لم يؤمنوا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث