الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل صلاة المغرب تعجيلها في أول وقتها أفضل

جزء التالي صفحة
السابق

. قال المصنف رحمه الله تعالى ( والأفضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لما روى عبد الله رضي الله عنه قال : { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة في أول وقتها } ولأن الله - تعالى - أمر بالمحافظة عليها . قال الشافعي رحمه الله : ومن المحافظة عليها تقديمها في أول الوقت ; لأنه إذا [ ص: 54 ] أخرها عرضها للنسيان وحوادث الزمان [ وأما العشاء ففيها قولان قال في القديم والإملاء : تقديمها أفضل ، وهو الأصح لما ذكرناه في سائر الصلاة وقال في الجديد : تأخيرها أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة } ] )

التالي السابق


. ( الشرح ) حديث عبد الله المذكور ، وهو ابن مسعود رضي الله عنه رواه ابن خزيمة في صحيحه بهذا اللفظ والبيهقي هكذا من رواية ابن مسعود ، ورواه أبو داود والترمذي من رواية أم فروة الصحابية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ، ولكنه ضعيف ضعفه الترمذي وضعفه بين . ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى .

( أما حكم المسألة ) فالأفضل تعجيل الصبح في أول وقتها ، وهو إذا تحقق طلوع الفجر ، هذا مذهبنا ومذهب عمر وعثمان وابن الزبير وأنس وأبي موسى وأبي هريرة رضي الله عنهم ، والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق وداود وجمهور العلماء . وقال ابن مسعود والنخعي والثوري وأبو حنيفة تأخيرها إلى الإسفار أفضل ، واحتج لمن قال بالإسفار بحديث رافع بن خديج رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر } رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي ، وفي رواية أبي داود : { أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر } وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع ، يعني المزدلفة ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها } رواه البخاري ومسلم ، قالوا : ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر ، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسا بها فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرا بها . قالوا : ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة واتصال الصفوف ، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها ، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل . [ ص: 55 ]

واحتج أصحابنا بقول الله تعالى { حافظوا على الصلوات } ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت ; لأنه إذا أخرها عرضها للفوات ، ويقول الله تعالى { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } والصلاة تحفظ ذلك ، وبقوله { فاستبقوا الخيرات } وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت : { كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس } رواه البخاري ومسلم ، المتلفعات المتلففات والمروط الأكسية ، وعن أبي برزة رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، وكان يقرأ بالستين إلى المائة } رواه البخاري . وعن جابر رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس ، والعصر والشمس حية ، والمغرب إذا غابت الشمس ، والعشاء إذا رأى في الناس قلة أخر وإذا رأى كثرة عجل والصبح بغلس } رواه البخاري ومسلم وعن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : { تسحر نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلى ، قلت لأنس : كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية } رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه . وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : " كنت أتسحر في أهلي ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري ، وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح مرة بغلس ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر } رواه أبو داود بإسناد حسن .

قال : قال الخطابي : هو صحيح الإسناد . وعن مغيث بن سمي قال : " صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر فصلى بغلس وكان يسفر بها ، فلما سلم قلت لابن عمر : ما هذه الصلاة ؟ وهو إلى جانبي . فقال : هذه صلاتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما قتل عمر أسفر بها [ ص: 56 ] عثمان رضي الله عنه " قال الترمذي في كتاب العلل قال البخاري هذا حديث حسن . وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج فمن وجهين ( أحدهما ) أن المراد بالإسفار طلوع الفجر وهو ظهوره ، يقال : سفرت المرأة أي كشفت وجهها ، فإن قيل : لا يصح هذا التأويل لقوله صلى الله عليه وسلم { فإنه أعظم للأجر } لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار لكن الأجر فيها أقل . فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت ولم يتيقنه جاز له الصلاة ، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر ، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل . وقيل : يحتمل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة فإنه لا يتيقن فيها الفجر إلا باستظهار في الإسفار ( والثاني ) ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول والثاني طلبا للثواب ، فقيل لهم : صلوا بعد الفجر الثاني وأصبحوا بها فإنه أعظم لأجركم ، فإن قيل : لو صلوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر ، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم وإن لم تصح صلاتهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم { : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر . } وأما الجواب عن حديث ابن مسعود رضي الله عنه فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام وصلى في هذا اليوم في أول طلوع الفجر ليتسع الوقت لمناسك الحج ، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ المحدث ويغتسل الجنب ونحوه فقوله : قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير ، والجواب عن قولهم : ( الإسفار تفيد كثرة الجماعة ويتسع به وقت النافلة ) أن هذه القاعدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغلس بالفجر .



( فصل ) وأما الظهر في غير شدة الحر فمذهبنا أن تعجيلها في أول الوقت أفضل ، وبه قال الجمهور ، وقال مالك : أحب أن تصلى في الصيف والشتاء ، والفيء ذراع كما قال عمر رضي الله عنه دليلنا حديث أبي برزة رضي الله عنه قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت [ ص: 57 ] الشمس } رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا دحضت الشمس } رواه مسلم قوله : والشمس دحضت أي زالت .



( فصل ) وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل وبه قال جمهور العلماء وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس ، واحتجوا بقول الله تعالى : { أقم الصلاة طرفي النهار } وبحديث علي بن شيبان رضي الله عنه قال : " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس نقية " . وعن عبد الواحد بن نافع عن ابن رافع بن خديج عن أبيه رضي الله عنه قال : { أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخير العصر } ولأنها إذا أخرت اتسع وقت النافلة واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : { حافظوا على الصلوات } . وقد سبق تقرير وجه الدليل بالآيتين السابقتين في الظهر وبحديث أنس رضي الله عنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة } رواه البخاري ومسلم وفي رواية لهما " فيذهب الذاهب إلى العوالي " قال العلماء : العوالي قرى عند المدينة أقربها منها على أربعة أميال وقيل ثلاثة وأبعدها على ثمانية .

وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وهو صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما قال : " صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت : يا عم ما هذه الصلاة التي صليت ؟ قال : العصر وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي معه " رواه البخاري ومسلم . وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : " كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تنحر الجزور فتقسم عشر قسم فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس " رواه البخاري ومسلم . وعن أنس رضي الله عنه قال : { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة فقال : يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورا لنا ونحب أن تحضرها فانطلق وانطلقنا معه [ ص: 58 ] فوجدنا الجزور لم تنحر ، فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس } رواه مسلم . وعن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : " أن صل العصر ، والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاث فراسخ " رواه مالك في الموطأ عن هشام ، وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فقال أصحابنا : قال أهل اللغة : الطرف ما بعد النصف ، وعن حديث علي بن شيبان أنه باطل لا يعرف ، وعن حديث رافع أنه ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي وضعفاه وبينا ضعفه ، ونقل البيهقي عن البخاري أنه ضعفه وضعفه أيضا أبو زرعة الرازي وأبو القاسم اللالكائي وغيرهما ، وقولهم : يتسع وقت النافلة سبق جوابه في تقديم الصبح والله أعلم .



( فصل ) وأما المغرب فتعجيلها في أول وقتها أفضل بالإجماع .



( فصل ) وأما العشاء فذكر المصنف والأصحاب فيها القولين ، ( أحدهما ) : وهو نصه في الإملاء - والقديم أن تقديمها أفضل كغيرها ولأنه الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : " أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة عشاء الآخرة ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما لسقوط القمر لثالثة " رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح ، وهذا نص في تقديمها ، ( والقول الثاني ) : تأخيرها أفضل وهو نصه في أكثر الكتب الجديدة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه } رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، ورواه بإسناد صحيح ، فقال : { لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة . } وعن زيد بن خالد رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل } [ ص: 59 ] رواه أبو داود والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح ، وأما الحديث المذكور في النهاية والوسيط : " { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل } " فهو بهذا اللفظ حديث منكر لا يعرف ، وقول إمام الحرمين : إنه حديث صحيح ليس بمقبول فلا يغتر به وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة العشاء الآخرة } رواه مسلم ، وعن أبي برزة رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء رواه البخاري ومسلم

وعن عائشة رضي الله عنها قالت " أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر رضي الله عنه : الصلاة ، نام النساء والصبيان ، فخرج وقال : ما ينتظرها من أهل الإسلام غيركم ، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري وفي رواية لمسلم : { أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نام أهل المسجد فخرج فصلى فقال : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي } وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال { أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رقد الناس واستيقظوا ، ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : الصلاة . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا } رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده ، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك ؟ فقال حين خرج : إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى } رواه مسلم بلفظه والبخاري بعضه . وعن أنس رضي الله عنه قال : " { أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال : صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها } رواه البخاري ومسلم ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : { أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد ، ثم خرج فصلى فقال : إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي } رواه مسلم .

فهذه أحاديث صحاح في [ ص: 60 ] فضيلة التأخير وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وآخرين ، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ، ونقله ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عباس والشافعي وأبي حنيفة والأصح من القولين عند أصحابنا أن تقديمها أفضل ، ممن صححه الشيخ أبو حامد والمحاملي في المجموع والتجريد والمصنف هنا وفي التنبيه ، والشيخ نصر والشاشي في المستظهري وآخرون ، وقطع به سليم في الكفاية والمحاملي في المقنع ، والجرجاني في كتابيه ، والشيخ نصر في الكاف ي والغزالي في الخلاصة ، والشاشي في العمدة . وقطع الزبيري في الكافي بتفضيل التأخير ، وهو أقوى دليلا للأحاديث السابقة . فإن قلنا بهذا أخرت إلى وقت الاختيار وهو نصف الليل في قول وثلثه في قول هكذا صرح به القاضي حسين وصاحب العدة وآخرون قالوا : ولا يؤخرها عن وقت الاختيار ، هذا الذي ذكرناه من أن في استحباب تأخير العشاء وتقديمها قولين هو المشهور في المذهب . قال صاحب الحاوي : وقال ابن أبي هريرة : ليست على قولين ، بل على حالين ، فإن علم من نفسه أنه إذا أخرها لا يغلبه نوم ولا كسل استحب تأخيرها ، وإلا فتعجيلها ، وجمع بين الأحاديث بهذا ، وضعف الشاشي هذا الذي قاله ابن أبي هريرة وليس هو بضعيف كما زعم ، بل هو الظاهر أو الأرجح والله أعلم .



( فرع ) فيما يحصل به فضيلة أول الوقت في جميع الصلوات ثلاثة أوجه : ( أصحها ) وبه قطع العراقيون وصاحب التقريب وآخرون يحصل بأن يشغل أول دخول الوقت بأسباب الصلاة كالأذان والإقامة وستر العورة وغيرها ، ولا يضر الشغل الخفيف كأكل لقم وكلام قصير ، ولا يكلف العجلة على خلاف العادة ، وشرط الشيخ أبو محمد تقديم ستر العورة قبل الوقت لنيل فضيلة أول الوقت ، لأن الستر واجب لا اختصاص له بالصلاة ، وضعفه إمام الحرمين وغيره ، ونقلوا عن العراقيين وغيرهم أنه لا يشترط تقديمه ( والوجه الثاني ) يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت وادعى صاحب البيان أنه المشهور ، وكذا أطلقه جماعة . وقال آخرون : إلى نصف وقت الاختيار ( والثالث ) لا تحصل فضيلة أول الوقت حتى يقدم قبل الوقت ما يمكن [ ص: 61 ] تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول الوقت . وعلى هذا قيل : لا ينال المتيمم فضيلة أول الوقت ، وهذا الوجه الثالث غلط صريح ، وإن كان مشهورا في كتب الخراسانيين فإنه مخالف للسنة المستفيضة عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه فمن بعدهم من التابعين وسائر أئمة المسلمين . قال إمام الحرمين : هذان الوجهان الأخيران حكاهما الشيخ أبو علي وهما ضعيفان .



( فرع ) قال أصحابنا : إذا كان يوم غيم استحب أن تؤخر الصلاة حتى يتيقن الوقت أو لا يبقى إلا وقت لو أخر عنه خاف خروج الوقت .



( فرع ) لو كان عادة الإمام تأخير الصلاة فهل يستحب لغيره تقديمها في أول الوقت لحيازة فضيلته ؟ أم تأخيرها لفضيلة الجماعة ؟ فيه خلاف منتشر سبق بيانه واضحا في باب التيمم . ( فرع ) هذا المذكور من فضيلة أول الوقت تستثنى منه صور منها من يدافع الحدث ، ومن حضره طعام وتاق إليه ، والمتيمم الذي يتيقن وجود الماء في آخر الوقت ، وكذا المريض الذي لا يقدر على القيام أول الوقت ، ويعلم قدرته عليه في آخره بالعادة ، والمنفرد الذي يعلم حضور الجماعة في آخر الوقت إذا قلنا يستحب لها التأخير على ما سبق في باب التيمم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث