الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل اختلاف الدارين لا يوقع الفرقة

121 - فصل

[ اختلاف الدارين لا يوقع الفرقة ] .

واختلاف الدارين لا يوقع الفرقة ، وإنما التأثير لاختلاف الدين .

قال أحمد في رواية ابن القاسم : الزوجان على نكاحهما ما دامت [ ص: 723 ] في العدة ، فإذا أسلمت فهما على نكاحهما لا يفرق بينهما ، وكان الشافعي يحتج على أصحاب أبي حنيفة إذا أسلمت وهي في دار الحرب ، ثم أسلم هو : " أنها امرأته ، وكذلك أقول " .

وقال أبو حنيفة : اختلاف الدارين يوقع الفرقة ، فعنده إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة وخلفت زوجها في دار الحرب كافرا وقد دخل بها وقعت الفرقة بينهما في الحال .

وقد تناظر الشافعي هو ومحمد بن الحسن - رحمهما الله تعالى - في هذه المسألة ، وساق الربيع المناظرة فقال الشافعي : إن قال قائل : ما دليلك على [ ص: 724 ] ذلك ؟ قيل له : أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران ، وهي دار خزاعة ، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام ، ورجع إلى مكة ، وهند بنت عتبة مقيمة على غير الإسلام ، فأخذت بلحيته ، وقالت : اقتلوا الشيخ الضال ، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة ، وكانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام يومئذ ، وزوجها مسلم في دار الإسلام ، وهي في دار حرب .

ثم صارت مكة دار إسلام ، وأبو سفيان بها مسلم ، وهند كافرة ، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة فاستقرا على النكاح ؛ لأن عدتها لم تنقض حتى أسلمت .

وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه ، وأسلمت امرأة صفوان بن [ ص: 725 ] أمية ، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة ، فصارت دارهما دار الإسلام ، وظهر حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، وهرب عكرمة إلى اليمن ، وهي دار حرب

[ وصفوان يريد اليمن ، وهي دار حرب ، ] ثم رجع صفوان [ ص: 726 ] إلى مكة وهي دار الإسلام ، وشهد حنينا وهو كافر ، ثم أسلم ، واستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول

[ ورجع عكرمة ، وأسلم ، فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول ، ] وذلك أنه لم تنقض عدتها .

فقلت له : ما وصفت لك من أمر أبي سفيان ، وحكيم ، وأزواجهما

[ وأمر صفوان ، وعكرمة ، وأزواجهما ] أمر معروف عند أهل العلم بالمغازي

[ فهل ترى ما احتججت به من أن الدار لا تغير من الحكم شيئا إذا دلت السنة على ما قلت ؟ ] وقد حفظ أهل المغازي أن امرأة من الأنصار كانت عند رجل بمكة ، فأسلمت ، وهاجرت إلى المدينة

[ فقدم زوجها ] ، وهي في العدة

[ فأسلم ] فاستقرا على النكاح . انتهى كلامه .

وقد روى البخاري في " صحيحه " عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " كان المشركون على منزلتين من النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين : مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه ،

[ ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ، ولا يقاتلونه
]

[ وكان إذا ] هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض ، وتطهر ، فإذا طهرت حل

[ لها ] النكاح ، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه . . . " فهذا هو الفصل في هذه المسألة ، وهو الصواب .

وليس هذا الحيض هو العدة التي قدرها كثير من الفقهاء أجلا [ ص: 727 ] لانقضاء النكاح ، بل هو استبراء بحيضة تحل بعدها للأزواج ، فإن شاءت نكحت وإن شاءت أقامت ، وانتظرت إسلام زوجها ، فمتى أسلم فهي امرأته انقضت العدة أو لم تنقض ، هذا الذي كان عليه أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصواب بلا ريب .

قالت الحنفية : مر الظهران لم تكن صارت من بلاد الإسلام لأنها قريبة من مكة ، وهي كانت دار حرب ، فكان حكم ما قرب منها حكمها إلى أن استولى النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكة ، وقهر أهلها ، وغلبهم ، فصارت هي وما حولها من دار الإسلام ، فثبت بهذا أن أبا سفيان أسلم في دار الحرب ، فلم تختلف به وبامرأته الدار .

قال الجمهور : أبو سفيان أسلم بمر الظهران عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد نزلها المسلمون الذين معه وثبتت أيديهم عليها ، وجرت أحكام الإسلام فيهم ، وإذا كان كذلك كانت من دار الإسلام ، وكانت في ذلك بمنزلة المدينة ، وسائر مدن الإسلام .

قالت الحنفية : ولا حجة لكم في هروب عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح ، وصفوان بن أمية إلى اليمن ، أو الطائف ، أو الساحل ، حتى وافاهما نساؤهما ، وأخذن لهما الأمان ، فإن مكة لما فتحت صار ما قرب منها من دار الإسلام ، فساحل البحر قريب منها ، والطائف - وإن كانت دار كفر إذ [ ص: 728 ] ذاك - فليس في القصة أنه وصل إليها بل قصدها ، ولعله لم يخرج من دار الإسلام ، ولم يصل إليها .

وأما اليمن فإنها كانت قد صارت دار إسلام ، وأقر أهل الكتاب منهم بالجزية ، وأما عباد الأوثان فأسلموا على يد علي ومعاذ وأبي موسى ، فلم تختلف الدار بين هؤلاء وبين نسائهم .

قال الجمهور : دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون ، وجرت عليها أحكام الإسلام ، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام ، وإن لاصقها ، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة ، وكذلك الساحل .

وأما اليمن فلا ريب أنه كان قد فشا فيهم الإسلام ، ولم يستوثق كل بلادها بالإسلام إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمن خلفائه ، ولهذا أتوا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسالا ، وفتحوا البلاد مع [ ص: 729 ] الصحابة ، وعكرمة لم يهرب من الإسلام إلى بلد إسلام ، وإنما هرب إلى موضع يرى أن أهله على دينه .

نزلنا عن هذا كله ، فالذين أسلموا ، وهاجروا قبل فتح مكة لم يفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين نسائهم قطعا مع اختلاف الدار قطعا ، ولو لم تكن الآثار متضافرة بذلك لكان القياس يقتضي عدم التفريق باختلاف الدار ، فإن المسلم لو دخل دار الحرب ، وأقام بها ، وامرأته مسلمة ، أو أقامت امرأة الحربي في دار الحرب ، وخرج هو إلى دار الإسلام بأمان لتجارة ، أو رسالة ، فإن النكاح لا ينفسخ .

فإن قلتم : الدار لم تختلف بهما هاهنا فعلا وحكما ، وإنما اختلفت فعلا ؛ لأن حكم المسلمة في دار الحرب حكمها في دار الإسلام ، وكذلك حكم المسلم فعلا .

قيل لكم : إذا استوطنها كان من أهلها ، ولهذا إذا قتله جيش المسلمين ، ولم يعلموا حاله لم تجب عليهم الدية ؛ لأن الدار دار إباحة ، فلم يتعلق بالقتل وجوب الدية ، ولو تعمد قتل مسلم لم يجب عليه القود عندكم ، ولكان الحربي إذا دخل إلينا مستأمنا ثبت له حكم الدار ، ولهذا من قتله وجبت عليه ديته ، ولم يجز سبيه ، واسترقاقه ، وأخذ ماله .

[ ص: 730 ] وأيضا فالنكاح عقد من العقود فلم ينفسخ باختلاف الدارين كالبيع وغيره .

وأيضا فإن المسلم لو دخل دار الحرب ، وتزوج حربية صح النكاح ، ولو كان اختلاف الدارين يوجب فسخ النكاح لوجب ألا يصح النكاح بينهما ؛ لأن المسلم من أهل دار الإسلام ، وإن كان في دار الحرب ، والحربية من أهل دار الحرب ، فالدار مختلفة بينهما في الحقيقة ، ولا يجوز أن يقال : إنهما مقيمان في دار واحدة فلم تختلف بهما ؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بينه وبين امرأته التي في دار الإسلام ؛ لأنه قد اختلفت بهما الدار ، ولوجب إذا دخل الحربي دار الإسلام ، وله زوجة في دار الحرب أن ينفسخ النكاح بينهما لاختلاف الدار ، فلما لم ينفسخ علم أن المسلم إذا كان في دار الإسلام ، فهو من أهل دار الإسلام ، والحربي إذا كان في دار الإسلام فهو من أهل دار الحرب ، ومع هذا النكاح لا ينفسخ ، كذلك هاهنا .

قالت الحنفية : قال الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) الآية ، فالدلالة فيها من وجوه :

أحدها : قوله : ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) وعندكم إذا خرج مسلما قبل أن تحيض ثلاث حيض فهي حل له ، وهو حل لها .

الثاني : قوله : ( وآتوهم ما أنفقوا ) ، ولو لم تقع الفرقة بينهما باختلاف الدارين لم تؤمر برد المهر عليه .

الثالث : قوله : ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) ، فأباح نكاحهن [ ص: 731 ] على الإطلاق ، وعندكم لا يباح نكاحها في الحال إذا كانت مدخولا بها .

الرابع : قوله : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) ، وفي المنع من العقد عليها تمسك بعصمة الكوافر .

قال الجمهور : لا حجة لكم في شيء من ذلك ، فإن قوله تعالى : ( لا هن حل لهم ) ، إنما هو في حال الكفر ، ولهذا قال : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) ، ثم قال : ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) .

وأما قوله : ( وآتوهم ما أنفقوا ) ، فقد تنازع الناس فيه فقالت طائفة : هذا منسوخ وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه رد المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته ، وهذا عندكم أيضا منسوخ .

وأما من لم يره منسوخا فلم يجب عنده رد المهر لاختلاف الدارين ، بل لاختلاف الدين ورغبة المرأة عن التربص بإسلامه ، فإنها إذا حاضت حيضة ملكت نفسها ، فإن شاءت تزوجت ، وحينئذ ترد عليه مهره ، وإن شاءت أقامت ، وانتظرت إسلامه .

وأما قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) ، فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها ورغبتها عن زوجها ، وعن التربص بإسلامه كما قال تعالى : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) ، والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها .

[ ص: 732 ] وأما قوله : ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) ، فهذا لا يدل على وقوع الفرقة باختلاف الدار ، وإنما يدل على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة المشركة ، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها ، بل نقول إنه موقوف ، فإن أسلمت في عدتها ، أو بعدها فهي امرأته .

قالت الحنفية : زوجان اختلفت بهما الدار فعلا وحكما ، فوجب أن تقع الفرقة بينهما ، أصله الحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمان ، ثم أسلمت قبل الدخول ، وإذا سبي الزوج وأخرج إلى دار الإسلام فإن الفرقة تقع كذلك هاهنا .

قال الجمهور : هذا منتقض بما ذكرنا من انتقال المسلم إلى دار الحرب ، ودخول الحربية إلى دار الإسلام ، ودخول الحربي بأمان لتجارة ، أو رسالة .

وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام ، وأسلمت فالموجب للفرقة هناك اختلاف الدين دون اختلاف الدارين ، ألا ترى أنه لو وجد ذلك في دار واحدة كان الحكم كذلك .

وأما السباء فليست العلة في الفرقة فيه اختلاف الدارين ، ولا طريان الرق ، لأنا نحكم بالفرقة قبل حصول المرأة في دارنا بظهور الإمام عليها ولأنا لا نحكم بالفرقة بسبب طريان الرق عليهما ، ولهذا لو سبي الزوجان معا فهما على نكاحهما ، وإنما نحكم بالفرقة لأن الغالب أن السباء إذا وقع في أحد الزوجين فلا سبيل إلى معرفة بقاء الزوج ، أو هلاكه ، فينزل المجهول المشكوك فيه كالمعدوم .

[ ص: 733 ] قالوا : ولا يلزمنا هذا إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب ؛ لأنه نادر ، والغالب عدم العلم به .

قالوا : ولهذا المعنى حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سابيه ؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة أبويه غالبا ، فجعلناه كالمتحقق ، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضا لأنه نادر ، هذا جواب القاضي وأصحابه ، وهو بناء على أن الزوجين إذا سبيا معا فهما على نكاحهما ، وأن الفسخ لم يكن للاستيلاء على بضع المرأة ، وملكه ، وهذا هو المشهور عن أحمد .

والصحيح أن الفسخ لم يكن لهذه العلة ، بل للاستيلاء على جميع ملك الرجل وحقوقه - وبضع زوجته من أملاكه - وقد استولى عليه وملكه السابي كما ملك رقبتها ، فلا معنى لبقاء العصمة في البضع وحده دون سائر أملاكه ودون سائر أجزاء المرأة ، ومنافعها ، وعلى هذا فلا فرق بين أن تسبى وحدها أو مع الزوج ، وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) ، نزلت في السبايا فحرم الله نكاح المتزوجات إلا المسبيات إذا انقضت عدتهن .

[ ص: 734 ] لذلك قال أبو سعيد : ولم يفرق بين أن تسبى وحدها أو مع زوجها ، وبين أن يعلم هلاك الزوج ، أو يعلم بقاؤه ، أو يشك فيه . ولو كانت العلة إنما هي الجهل ببقاء الزوج ، وتنزيل المجهول كالمعدوم لما انفسخ النكاح مع العلم بوجوده في دار الحرب .

وقولهم : " إن هذا نادر ، والحكم للغالب " قول في غاية الفساد ، فإن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها ، وليس بقاء الزوج في دار الحرب نادرا ، ولو كان نادرا - وهو معلوم - كان بمنزلة المفقود في المهلكة إذا علم بقاؤه ، ومثل هذا لا يقال فيه : نادر ، نكاح الأول قائم ، ووجود الزوج مقطوع به ، هذا في غاية الفساد .

والصواب الذي دل عليه القرآن ، وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في السبايا ، والقياس أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقا ، فإنها قد صارت ملكا للسابي ، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها ، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها ، وهذا اختيار أبي الخطاب ، [ ص: 735 ] وشيخنا ، وهو مذهب الشافعي .

وأما قولهم : " إنا إنما حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سابيه ؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة أبويه غالبا ، فجعلناه كالمحقق ، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضا ؛ لأنه نادر " ، فالصحيح خلاف هذا القول ، وأنه يحكم بإسلامه تبعا لسابيه ، ولو كان مع الأبوين ، أو أحدهما ، فهذا نص الروايتين عن أحمد ، وهو مذهب الأوزاعي وأهل الشام ، فإن السابي له أحق به من أبويه وقد انقطعت تبعيته للأبوين بسباء المسلم له ، وهو مولود على الفطرة ، وإنما [ ص: 736 ] جعلناه على دين أبويه تبعا لهما ، فإذا زالت التبعية صار مالكه أولى به ، وصار تابعا له .

قالت الحنفية : إن اختلاف الدارين يؤثر في قطع العصمة ، ألا ترى أن ذميا لو مات في دار الإسلام وخلف مالا وله ورثة من أهل الحرب في دار الحرب لم يستحقوا من إرثه شيئا وجعل ماله في بيت المال لاختلاف الدارين ، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحق بتركته من جماعة المسلمين لأنه لم يختلف به وبهم الدار ، وكذلك لو سبي من أهل الحرب دون أبويه فمات صلي عليه لأنه اختلف به وبأبويه الدار فانقطعت العصمة بينه وبينهما فصار مسلما بالدار كاللقيط ، ولو سبي مع أبويه أو أحدهما ، فمات لم يصل عليه لأنه لم يختلف به وبهما ، أو بأحدهما الدار .

قال الآخرون : انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين ، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة ، ولهذا لو كان ذميا في دار الإسلام فدخل قريبه الحربي مستأمنا ليقيم مدة ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا ، وإن كانت الدار واحدة .

وكذلك إذا سبي الصبي دون أبويه ، ومات فإنه يصلى عليه ، وإن كان موته في دار الحرب لأنا نحكم بإسلامه بإسلام سابيه ، وعلى أنا لا نسلم انقطاع التوارث بينهما ، فإن يعقوب بن بختان سأل أحمد عن رجل من [ ص: 737 ] أهل الذمة دخل بأمان فقتله رجل من المسلمين ، فقال : يبعث بديته إلى أهل بلاده ، فقد نص على أن ديته ينفذ بها إلى بلاده ، وإنما أراد بذلك إلى ورثته ؛ لأنه لو لم يكن له ورثة كانت ديته في بيت المال ، وقد نص على ذلك في رواية أبي طالب في النصراني إذا مات ، وليس له وارث جعل ماله في بيت مال المسلمين .

والوجه فيه قوله تعالى : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ) ، وهذا عام في الذمي ، والمسلم ، وعام فيه إذا كان أهله في دار الإسلام ، أو دار الحرب ، ولأنهما قد اتفقا في الدين ، فجاز أن يتوارثا كما لو كانا في دار واحدة ، ولأنهما لو اجتمعا في دار توارثا فيجب أن يتوارثا ، وإن اختلفت بهما الدار ، دليله المستأمن .

يبين صحة هذا : أن أحكام المستأمن ، والحربي مختلفة ؛ لأن المستأمن يحرم قتله ، وتضمن نفسه ، ويقطع بسرقة ماله ، والحربي بخلافه ، ولأن اختلاف الدارين لا يوجب انقطاع العصمة ، بدليل أنه لا يوجب فسخ الأنكحة .

وقولهم : " إن الميراث يثبت بالموالاة ، والنصرة ، واختلاف الدارين يمنع من ذلك " لا يصح كما لم يصح إذا اختلفت الداران بالمسلمين ، ولأن هذا يبطل باليهود ، والنصارى ، فإنهم لا يتناصرون ، ويتوارثون عند المنازع لنا : وعندنا على إحدى الروايتين ، ولا يتوارثون على الرواية الأخرى ، لا لهذه [ ص: 738 ] العلة لكن لاختلاف الدين ، فإن دينهم مختلف ، ولأن الصبي ، والمجنون والنساء يرثون ، ولا نصرة فيهم ، ولهذا لما كان للعقل طريقة النصرة لم يكن لهم مدخل فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث