الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوال العذر المانع من الصلاة في آخر الوقت

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( إذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو أفاق المجنون أو المغمى عليه ، وقد بقي من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، } ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فإن بقي من الوقت دون الركعة ففيه القولان روى المزني عنه أنه لا يلزمه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه ولأن بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك هاهنا . وقال في كتاب استقبال القبلة : يلزمه بقدر تكبيرة لأنه إدراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كإدراك الجماعة ، وتخالف الجمعة فإنه إدراك فعل فاعتبر فيه الركعة ، وهذا إدراك حرمة فهو كالجماعة . وأما الصلاة التي قبلها فينظر فيها - فإن كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أو المغرب - لم يلزمه ما قبلها ، لأن ذلك ليس بوقت لما قبلها ، وإن كان ذلك في وقت العصر أو وقت العشاء - قال في الجديد : يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء - وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان أحدهما : ركعة ، والثاني : تكبيرة ، والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ، ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر ، وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتا لها في حقهم .

وقال في القديم : فيه قولان ( أحدهما ) يجب بركعة وطهارة ( والثاني ) يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات : أربع للظهر وركعة للعصر ، وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات : ثلاث للمغرب وركعة للعشاء ، لأن الوقت اعتبر لإدراك الصلاتين فاعتبر وقت يمكن الفراغ من إحداهما والشروع في الأخرى وغلط أبو إسحاق في هذا فقال : أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب ، وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر ; لأن العصر تجب بركعة فدل على أن الأربع للظهر . وخرج أبو إسحاق في المسألة قولا خامسا أنه يدرك الظهر والعصر بمقدار إحدى الصلاتين وتكبيرة ) .

التالي السابق


( الشرح ) إذا زال الصبا أو الكفر أو الجنون أو الإغماء أو الحيض أو النفاس في آخر الوقت فإن بقي من الوقت قدر ركعة - لزمته تلك الصلاة بلا خلاف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في الصحيحين كما سبق بيانه قريبا والمعتبر في الركعة أخف ما يمكن ، وحكى إمام الحرمين عن والده أنه قال مرة : يكفي ركعة مسبوق ، وضعفه الإمام . وهل يشترط [ ص: 69 ] معها زمن إمكان الطهارة ؟ فيه قولان حكاهما الخراسانيون ، وبعضهم يحكي وجهين ( أصحهما ) وبه قطع العراقيون : لا يشترط لظاهر الحديث ( والثاني ) يشترط ليتمكن من فعل الركعة ، وإذا بقي من الوقت قدر تكبيرة فما فوقها مما لا يبلغ ركعة فقولان ( أصحهما ) باتفاق الأصحاب تلزمه تلك الصلاة لأنه إدراك جزء منه ، كإدراك الجماعة ( والثاني ) لا ، لمفهوم الحديث وقياسا على الجمعة ، وفي اشتراط زمن الطهارة القولان ، فإن قلنا تلزم بتكبيرة فأدرك زمن نصف تكبيرة إن تصور ذلك ففي اللزوم به تردد للشيخ أبي محمد حكاه إمام الحرمين والغزالي في البسيط لأنه إدراك جزء من الوقت إلا أنه لا يسع ركنا قال أصحابنا : وشرط الوجوب بركعة أو تكبيرة أن يمتد السلامة من المانع قدر إمكان الطهارة وفعل تلك الصلاة ، فإن عاد مانع قبل ذلك لم تجب . مثاله : بلغ صبي في آخر وقت العصر ثم جن أو أفاق مجنون ثم عاد جنونه أو طهرت ثم جنت أو أفاقت ثم حاضت فإن مضى في حال السلامة ما يسع طهارة وأربع ركعات وجبت العصر وإلا فلا . ويستوي في الإدراك بركعة جميع الصلوات ، فإن كانت المدركة صبحا أو ظهرا أو مغربا لم يجب غيرها ، وإن كانت عصرا أو عشاء وجب مع العصر الظهر ، ومع العشاء المغرب بلا خلاف .

وفيما تجب به قولان ( أظهرهما ) باتفاق الأصحاب وهو نصه في الجديد : تجب بما تجب به الأولى فتجب الصلاتان بركعة في قول ، وبتكبيرة في قول ، وهو الأظهر ( والثاني ) وهو القديم لا تجب الظهر مع العصر إلا بإدراك أربع ركعات مع ما تجب به العصر ، فعلى قول يشترط خمس ركعات وعلى قول أربع وتكبيرة ، وعلى هذا تكون الأربع للظهر والركعة أو التكبيرة للعصر على الصحيح المنصوص في القديم ، ليمكن الفراغ من الظهر والشروع في العصر ، وتدرك المغرب بأربع ركعات من آخر وقت العشاء ، ثلاث للمغرب ، وركعة للعشاء . وقال أبو إسحاق المروزي الأربع للعصر والركعة للظهر ، قال : ويشترط في المغرب مع العشاء خمس ركعات أربع للعشاء وركعة للمغرب قال المصنف والأصحاب : هذا الذي قاله أبو إسحاق غلط صريح مخالف للنص والدليل ، فكيف يصح أن يشترط للثانية أربع ركعات ويكتفى في الأولى بركعة ؟ وهل يشترط مع ذلك زمن [ ص: 70 ] إمكان الطهارة ؟ فيه القولان السابقان ( أظهرهما ) لا يشترط وإذا جمعت الأقوال حصل فيما يلزم به كل صلاة في آخر وقتها أربعة أقوال ( أصحها ) قدر تكبيرة ( والثاني ) تكبيرة وطهارة ( والثالث ) ركعة ( والرابع ) ركعة وطهارة ، وفيما يلزم به الظهر مع العصر ثمانية أقوال هذه الأربعة ( والخامس ) قدر أربع ركعات وتكبيرة ( والسادس ) هذا وزيادة طهارة ( والسابع ) خمس ركعات ( والثامن ) هذا وطهارة وفيما تلزم به المغرب مع العشاء اثنا عشر قولا هذه الثمانية ( والتاسع ) ثلاث ركعات وتكبيرة ( والعاشر ) ثلاث ركعات وتكبيرة وطهارة ( والحادي عشر ) أربع ركعات ( والثاني عشر ) هذا وطهارة . ( فرع ) عادة أصحابنا يسمون هؤلاء أصحاب الأعذار ، فأما غير الكافر فتسميته معذورا ظاهرة ، ويسمى الكافر معذورا لأنه لا يطالب بالقضاء بعد الإسلام تخفيفا عنه ، كما لا يطالبون تخفيفا عنهم ، واستدلوا على وجوب الظهر بإدراك آخر وقت العصر ، ووجوب المغرب بإدراك آخر وقت العشاء بأنهما كالصلاة الواحدة ، ووقت إحداهما وقت الأخرى في حق المعذور بسفر .

وهذا الحكم رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة رضي الله عنهم . واعلم أن الأصحاب أطلقوا اشتراط أربع ركعات للزوم الظهر على القول الضعيف وهذا محمول على غير المسافر ، أما المسافر فإنما يشترط في حقه للظهر ركعتان فقط . ( فرع ) قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بإدراك ما تجب به العصر ، وبه قال عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة وأحمد وغيرهم ، وقال الحسن وقتادة وحماد والثوري وأبو حنيفة ومالك وداود لا تجب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث