الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها

جزء التالي صفحة
السابق

باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها وقول النبي صلى الله عليه وسلم أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها وأعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به وأعطيتم القرآن فعملتم به وقال أبو رزين يتلونه حق تلاوته يتبعونه ويعملون به حق عمله يقال يتلى يقرأ حسن التلاوة حسن القراءة للقرآن لا يمسه لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا الموقن لقوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والصلاة عملا قال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام قال ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر إلا صليت وسئل أي العمل أفضل قال إيمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم حج مبرور

7095 حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين فقال أهل الكتاب هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا قال الله هل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال فهو فضلي أوتيه من أشاء

التالي السابق


قوله : باب قول الله تعالى قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ) مراده بهذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة وقد فسرت التلاوة بالعمل والعمل من فعل العامل وقال في كتاب خلق أفعال العباد : ذكر صلى الله عليه وسلم أن بعضهم يزيد على بعض في القراءة وبعضهم ينقص فهم يتفاضلون في التلاوة بالكثرة والقلة وأما المتلو وهو القرآن فإنه ليس فيه زيادة ولا نقصان ، ويقال : فلان حسن القراءة ورديء القراءة ولا يقال حسن القرآن ولا رديء القرآن ، وإنما يسند إلى العباد القراءة لا القرآن ؛ لأن القرآن كلام الرب سبحانه وتعالى والقراءة فعل العبد ، ولا يخفى هذا إلا على من لم يوفق ثم قال تقول قرأت بقراءة عاصم وقراءتك على قراءة عاصم ، ولو أن عاصما حلف أن لا يقرأ اليوم ثم قرأت أنت على قراءته لم يحنث هو قال وقال أحمد لا تعجبني قراءة حمزة ، قال البخاري ولا يقال لا يعجبني القرآن فظهر افتراقهما .

قوله ( وقول النبي صلى الله عليه وسلم أعطي أهل التوراة التوراة إلخ ) وصله في آخر هذا الباب بلفظ " أوتي " في الموضعين و " أوتيتم " وقد مضى في اللفظ المعلق أعطي وأعطيتم في باب المشيئة والإرادة في أول " كتاب التوحيد " .

قوله : وقال أبو رزين ) براء ثم زاي بوزن عظيم هو مسعود بن مالك الأسدي الكوفي من كبار التابعين .

قوله ( يتلونه حق تلاوته يعملون به حق عمله ) كذا لأبي ذر ولغيره يتلونه : يتبعونه ويعملون به حق عمله ، [ ص: 518 ] وهذا وصله سفيان الثوري في تفسيره من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور بن المعتمر عن أبي رزين في قوله تعالى يتلونه حق تلاوته قال يتبعونه حق اتباعه ويعملون به حق عمله ، قال ابن التين وافق أبا رزين عكرمة واستشهد بقوله تعالى والقمر إذا تلاها أي تبعها ، وقال الشاعر

قد جعلت دلوي تستتليني

وقال قتادة هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وعملوا بما فيه .

قوله ( يقال يتلى : يقرأ ) هو كلام أبي عبيدة في كتاب المجاز في قوله تعالى أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم يقرأ عليهم ، وفي قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ما كنت تقرأ كتابا قبل القرآن .

قوله : حسن التلاوة : حسن القراءة للقرآن ) قال الراغب : التلاوة الاتباع وهي تقع بالجسم تارة وتارة بالاقتداء في الحكم وتارة بالقراءة وتدبر المعنى والتلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله تعالى المنزلة تارة بالقراءة وتارة بامتثال ما فيه من أمر ونهي وهي أعم من القراءة فكل قراءة تلاوة من غير عكس .

قوله ( لا يمسه : لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا الموقن ) وفي رواية المستملي " المؤمن " . ( لقوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ) وحاصل هذا التفسير أن معنى لا يمس القرآن لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به وأيقن بأنه من عند الله فهو المطهر من الكفر ولا يحمله بحقه إلا المطهر من الجهل والشك لا الغافل عنه الذي لا يعمل فيكون كالحمار الذي يحمل ما لا يدريه .

قوله : وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والصلاة عملا ) أما تسميته صلى الله عليه وسلم الإسلام عملا فاستنبطه المصنف من حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام فقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان : تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، ثم قال ما الإسلام ؟ قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول اللهثم ساقه من حديث ابن عمر عن عمر بلفظ فقال : يا رسول الله ما الإسلام ؟ قال أن تسلم وجهك لله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت الحديث ، وساقه من حديث أنس بنحوه قال فسمى الإيمان والإسلام والإحسان والصلاة بقراءتها وما فيها من حركات الركوع والسجود فعلا انتهى . والحديث الأول أسنده في " كتاب الإيمان " عن أبي هريرة ، والثاني أخرجه مسلم ، وأما تسمية الإيمان عملا فهو في الحديث المعلق في الباب : أي العمل أفضل ؟ قال إيمان بالله الحديث ، وقد أعاده في باب : والله خلقكم وما تعملون ، وأما تسمية الصلاة عملا فهو في الباب الذي يليه كما سيأتي بيانه .

قوله : وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال إلخ ) تقدم موصولا مشروحا في مناقب بلال من مناقب الصحابة رضي الله عنهم ، ودخوله فيه ظاهر من حيث إن الصلاة لا بد فيها من القراءة .

قوله : وسئل أي العمل أفضل ؟ قال إيمان بالله ورسوله ثم الجهاد ثم حج مبرور ) وهو حديث وصله في " كتاب الإيمان " وفي الحج من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ، وأورده في كتاب خلق أفعال العباد من وجهين آخرين عن الزهري ومن وجهين آخرين عن إبراهيم بن سعد ، وأورده فيه من طريق أبي جعفر عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه الحديث ، وهو أصرح في مراده لكن ليس سنده على شرطه في الصحيح ، وقد أخرجه أحمد والدارمي وصححه ابن حبان وأخرج البخاري فيه أيضا من حديث عبد الله بن حبشي بضم المهملة وسكون الموحدة [ ص: 519 ] بعدها معجمة وياء كياء النسب مثل حديث أبي جعفر عن أبي هريرة وهو عند أحمد والدارمي ، وأورد فيه حديث أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأعمال خير قال : إيمان بالله وجهاد في سبيله ، وقد تقدم في العتق ، وحديث عائشة نحو حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وهو عند أحمد بمعناه ، وحديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل ؟ فقال إيمان بالله وتصديق بكتابه ، قال فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والتصديق والجهاد والحج عملا ، ثم أورد حديث معاذ قلت : يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ، قال فبين أن ذكر الله تعالى هو العمل ، ثم ذكر حديث : إنما بقاؤكم فيمن سلف من الأمم ، أي زمن بقائكم بالنسبة إلى زمن الأمم السالفة ، وقد تقدم في مواقيت الصلاة مشروحا وأحد طرفي التشبيه محذوف والمراد باقي النهار .

و " عبدان " شيخه هو عبد الله بن عثمان " وعبد الله " هو ابن المبارك و " يونس " هو ابن يزيد و " سالم " هو ابن عبد الله بن عمر ، وقوله فيه " حتى غربت الشمس " في رواية الكشميهني : حتى غروب الشمس ، وقوله " هل ظلمتكم من حقكم من شيء " في رواية الكشميهني " شيئا ، قال ابن بطال : معنى هذا الباب كالذي قبله أن كل ما ينشئه الإنسان مما يؤمر به من صلاة أو حج أو جهاد وسائر الشرائع عمل يجازى على فعله ويعاقب على تركه إن أنفذ الوعيد انتهى . وليس غرض البخاري هنا بيان ما يتعلق بالوعيد بل ما أشرت إليه قبل ، وتشاغل ابن التين ببعض ما يتعلق بلفظ حديث ابن عمر فنقل عن الداودي أنه أنكر قوله في الحديث أنهم أعطوا قيراطا وتمسك بما في حديث أبي موسى أنهم قالوا لا حاجة لنا في أجرك ، ثم قال : لعل هذا في طائفة أخرى وهم من آمن بنبيه قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الأخير هو المعتمد وقد أوضحته بشواهده في كتاب المواقيت وفي تشاغل من شرح هذا الكتاب بمثل هذا هنا إعراض عن مقصود المصنف هنا ، وحق الشارح بيان مقاصد المصنف تقريرا وإنكارا وبالله المستعان



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث