الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم

ولما بين سبحانه مآل الفريقين، نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة أن يشفع أحد من غير إذنه بقوله: ويوم أي: وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم نحشرهم أي الفريقين: الناجين والهالكين العابدين منهم والمعبودين حال كونهم جميعا ثم يقطع ما بين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة، بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعداوة وهو ناظر إلى قوله تعالى: إنه يبدأ الخلق ثم يعيده وإلى قوله: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم والحشر: الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد; وأشار سبحانه إلى طول وقوفهم بقوله: ثم نقول للذين أشركوا أي: بنا من لم يشارك في خلقهم; وقوله: مكانكم نقل أبو حيان عن النحويين أنهم جعلوه اسما لاثبتوا، ورد [ ص: 107 ] على الزمخشري تقديره ب «الزموا» لأنه متعد ويجب أن يساوى بين الاسم والمسمى في التعدي واللزوم، أي: نقول لهم: قفوا وقوف الذل أنتم وشركاؤكم حتى ينفذ فيكم أمرنا إظهارا لضعف معبوداتهم التي كانوا يترجونها وتحسيرا لهم، فلا يمكنهم مخالفة ذلك.

ولما كان التقدير: فوقفوا موافقة للأمر على حسب الإرادة، عطف عليه مسببا عنه قوله: فزيلنا أي: أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان بينهم في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار: ربنا هؤلاء الذين أضلونا، وكنا ندعو من دونك وقال شركاؤهم لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق ما كنتم أي: أيها المشركون، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل، ولأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم إيانا تعبدون أي: تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة إلى أنه لا يعبد إلا من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلا ولا يرضى بها جماد لو نطق، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق؛ لأنه لا اعتداد به أصلا، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلا عن أن يخصنا بذلك، والشخص يجوز له أن ينفي ما [ ص: 108 ] يظن نفيه، ونحن لم نعلم شيئا من ذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث